شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تلخيص ميسر لأحكام الصيام في رمضان (2-2)

محمود عبد الحفيظ البرتاوي • بحوث شرعية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فنستكمل في هذا المقال تلخيص بقية أحكام الصيام في رمضان.

قال الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ . وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ . أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) (البقرة:183-187) .

- ( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ) (البقرة:184) : كما مرَّ -في المقال السابق- كان الإنسان مخيرًا في أول فرض الصيام بيْن الصوم وبين أن يطعم عن كل يوم مسكينًا، ثم نسخ جواز التخيير بيْن الصيام والفدية لعموم الناس، وبقيت الرخصة لمن شقَّ عليه الصيام مشقة شديدة: كالشيخ الكبير، والمرأة العجوز، ويلتحق بهما: "الحامل والمرضع"، فإنهما إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا؛ لأن عذر الحمل والرضاع متكرر للمرأة، والمرأة المتزوجة غالبًا ما تكون بين حمل ورضاع، والأصل في الإسلام الإكثار من النسل والذرية "وليس تحديده أو منعه! فهذا خلاف الأصل"؛ فتكون المرأة بيْن حمل ورضاع عدة مرات، ويدركها عدة رمضانات على هذا الحال، وربما حتى تصل إلى سن اليأس؛ فلو كلـِّفتْ بالقضاء لكان في ذلك مشقة شديدة عليها لا يأتي بمثلها الشرع.

- فالصحيح أن الرخصة باقية للحامل والمرضع كما هو قول ابن عباس وابن عمر -رضي الله عنهم-، فقد كان ابن عباس -رضي الله عنهما-: "يَقُولُ لأُمِّ وَلَدٍ لَهُ حُبْلَى: أَنْتِ بِمَنْزِلَةِ الَّتِي لا تُطِيقُهُ فَعَلَيْكِ الْفِدَاءُ، ولاَ قَضَاءَ عَلَيْكِ" (رواه البيهقي والبزار، وصححه الألباني) ، وعن نافع أن ابن عمر -رضي الله عنهما- سئل عن المرأة الحامل إذا خافت على ولدها، فقال: "تُفْطِرُ وَتُطْعِمُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا مُدًّا مِنْ حِنْطَةٍ" (أخرجه الشافعي ومن طريقه البيهقي، ورواه مالك بلاغًا) .

- على أن هذا معلق بالخوف على النفس منهما أو على الولد؛ وليس المراد مِن الخوف مجرد التوهم والتخيل، بل غلبة الظن بحصول الضرر؛ بأمارة أو تجربة أو إخبار الطبيب المسلم الثقة؛ وإلا فإن كانت المرضع مثلاً قادرة على التغذي بوجبات متعددة خلال الليل -ما بين الإفطار والسحور- أو أمكنها أن تغني الطفل عن رضاعتها -ولو بلبن صناعي ما لم يتضرر بذلك أو تخشى عليه-؛ فهي ليست خائفة على طفلها، ولا على نفسها، وإن استطاعت الحامل والمرضع القضاء فهو الأولى خروجًا مِن الخلاف، خصوصًا وأن أكثر العلماء -ومنهم الأئمة الأربعة- على وجوب القضاء على الحامل والمرضع -على تفصيل بيْن المذاهب في لزوم الفدية مع القضاء-، وأنهما أشبه بالمريض الذي يرجى برؤه منهما بالشيخ الكبير والمرأة العجوز، وإن كان ما ذهب إليه ابن عباس وابن عمر -رضي الله عنهم- في هذه المسألة لا يُعرف لهما فيه مخالف من الصحابة، وقد نص ابن عباس -رضي الله عنهما- على أن الآية ليست منسوخة في حق مَن شق عليه الصيام، وهذه وإن كانت آثار موقوفة إلا أن لها حكم الرفع؛ لأن ذلك ليس مِن قبيل الرأي. والله -تعالى- أعلم.

- وهذه الفدية لهما إنما تشرع بسبب الحمل والرضاع، وليس الحيض أو النفاس، فإنه يجب فيه القضاء ولابد؛ ما لم تصل المرأة إلى حال اليأس مِن القضاء كحال المريض الذي لا يرجى برؤه؛ فيكون فرضهما في هذه الحالة -حالة العجز عن القضاء- هو الفدية في مالهما.

- وكل مَن كان فرضه الفدية وهو العاجز عن الصيام -أو شملته الرخصة: كالحامل والمرضع- فصام أجزأه ذلك؛ لأن الفدية مع الفطر رخصة مِن الله -تعالى- لمن كان يتضرر بالصوم -كالمريض مرضًا لا يرجى برؤه- أو يشق عليه الصيام جدًّا: كالشيخ الكبير والمرأة العجوز، فلو صام فقد أدى ما عليه، بل ربما يقال: هو أفضل وأولى؛ لقوله -تعالى-: ( وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) (البقرة:184) .

- ومقدار الفدية: ربع صاع عن كل يوم (700 جرام أرز لكل مسكين).

- ويجوز جمع المساكين وإطعامهم -طعامًا مطبوخًا- حتى يشبعوا كما فعل أنس -رضي الله عنه-، كما يجوز تمليكهم الحب -ربع صاع لكل مسكين-، وأما إخراج القيمة فلا يجوز؛ لأن الله نص على إطعام المساكين في الفدية.

- وهذه الفدية يجوز إخراجها مع طلوع فجر كل يوم، وقبله أيضًا من الليل؛ لأنه كان ناويًا للإفطار قبل الفجر مع عجزه عن الصوم. (انظر: الجامع لأحكام الصيام للشيخ أحمد حطيبة) .

الصفحة التالية