تلخيص ميسر لأحكام الصيام في رمضان (2-2)
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • بحوث شرعية
- ( فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ): أي مَن تطوع بالزيادة على القدر المذكور في الفدية فهو خير له، والصوم خير مِن الإفطار والفدية.
- ( وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ): ترغيب مِن الله -تعالى- لهم في الصيام؛ لما فيه من الأجر والثواب والفضل الكبير، فمن استطاع أن يصوم ولو بمشقة يحتملها؛ فالأفضل له الصيام، خلافًا لمن ظن أن فرض هؤلاء هو الفدية، وأن الصوم لا يجزئهم إن تكلفوا الصيام!
- ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ): أي أنزل القرآن مِن اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم نزل بعد ذلك منجمًا حسب الوقائع على النبي -صلى الله عليه وسلم-.
- والقرآن والصيام توأمان في رمضان، وكل منهما يشفع للإنسان: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ، مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، فَيُشَفَّعَانِ ) (رواه أحمد والطبراني، وصححه الألباني) .
- ورمضان فرصة عظيمة لتدبر "القرآن الكريم" والإقبال عليه بقلب حاضر، فإن كثيرًا من الناس -للأسف الشديد- لا يحرص على تدبر القرآن، وإنما همه أن يصل إلى آخر السورة أو يختم القرآن ولو كان بقراءته هذًّا كهذ الشعر! وهذا مما أنكره ابن مسعود -رضي الله عنه-، فعن الأعمش عن أبي وائل قال: "جَاءَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ نَهِيكُ بْنُ سِنَانٍ إِلَى عَبْدِ اللهِ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَيْفَ تَقْرَأُ هَذَا الْحَرْفَ؟ أَلِفًا تَجِدُهُ أَمْ يَاءً ( مِنْ مَاءٍ غَيْرِ أَسِنٍ )، أَوْ "مِنْ مَاءٍ غَيْرِ يَاسِنٍ"؟ قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: وَكُلَّ الْقُرْآنِ قَدْ أَحْصَيْتَ غَيْرَ هَذَا؟! قَالَ: إِنِّي لأَقْرَأُ الْمُفَصَّلَ فِي رَكْعَةٍ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ! إِنَّ أَقْوَامًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، وَلَكِنْ إِذَا وَقَعَ فِي الْقَلْبِ فَرَسَخَ فِيهِ نَفَعَ... إِنِّي لأَعْلَمُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقْرُنُ بَيْنَهُنَّ، سُورَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ" (رواه البخاري ومسلم واللفظ له) ، وقد قصد -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان قراءته متأنية متدبرة، فقيام النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إحدى عشرة ركعة بالوتر، "وَأَنَّ هَذَا كَانَ قَدْرَ قِرَاءَتِهِ غَالِبًا، وَأَنَّ تَطْوِيلَهُ الْوارِدَ إِنَّمَا كَانَ فِي التَّدَبُّرِ وَالتَّرْتِيلِ، وَمَا وَرَدَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ فِي قِرَاءَتِهِ الْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ وَآلِ عِمْرَانَ كَانَ فِي نَادِرٍ مِنَ الأَوْقَاتِ" (شرح النووي على مسلم) .
- بل حتى في الصلاة نفسها... مِن الناس مَن يكون همه انتقاء القراء مِن حسني الصوت وتتبعهم في المساجد دون الاعتناء بأمر التدبر والخشوع! في حين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حذر من هذا الصنيع، فقال: ( لِيُصَلِّ الرَّجُلُ فِي المَسْجِدِ الَّذِي يَلِيهِ، وَلاَ يَتَّبِعِ المَسَاجِدَ ) (رواه الطبراني، وصححه الألباني) ، ويقول -صلى الله عليه وسلم-: ( أحْسَنُ النَّاسِ قِراءَةً الَّذِي إِذا قَرأَ رَأيْتَ أنَّهُ يَخْشَى الله ) (رواه أبو نعيم في أخبار أصبهان وفي الحلية ورواه الطبراني، وصححه الألباني) ، فهذا الذي يُبحث عنه، وليس مجرد حسن الصوت والأداء؛ فلابد إذن مِن الاعتناء بالقرآن العظيم وقراءته قراءة متدبر متأمل حتى يحصل الانتفاع المرجو مِن تلاوته.
- ( هُدًى لِلنَّاسِ ): أي جعل الله -تعالى- في القرآن هداية للناس، وهي هداية البيان العامة.
- ( وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ): هي هداية الانتفاع، والبينات التي يحصل بها الفرقان بيْن الحق والباطل.
قال ابن عاشور -رحمه الله-: "قوله -تعالى-: ( هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ) إشارة إلى وجه تفضيل شهر رمضان بسبب ما نزل فيه مِن الهدى والفرقان. والمراد بـ"الهدى الأول": ما في القرآن من الإرشاد إلى المصالح العامة والخاصة التي لا تنافي العامة. وبالبينات مِن الهدى: ما في القرآن مِن الاستدلال على الهدى الخفي الذي ينكره كثير من الناس، مثل أدلة التوحيد، وصدق الرسول، وغير ذلك من الحجج القرآنية. و( وَالْفُرْقَانِ ) مصدر (فَرَقَ)، وقد شاع في الفرْق بيْن الحق والباطل، أي: إعلان التفرقة بين الحق الذي جاءهم مِن الله، وبين الباطل الذي كانوا عليه قبل الإسلام" (تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور) .
- ( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ): أي مَن كان حاضرا غير مسافر فليصم، وليس أن معنى مَن ( شَهِدَ ) أي مَن رأي الهلال؛ لأننا نصوم برؤية غيرنا، ولا يلزم أن يرى كل واحد منا الهلال، والشهر سُمي شهرًا لشهرته، وسمي الهلال هلالا؛ لأنه يستهل عند رؤيته، ويصيح الناس ويرفعون أصواتهم برؤيته، وما لم يُستهل به فليس بهلال، وهذا دليل على أن مَن رأى الهلال وحده ولم يقبل الناس خبره -لسبب أو لآخر- فليس له الصوم والفطر وحده منفردًا عن الناس -فضلاً عن الجهر بصومه والتسبب في فتن بيْن المسلمين مِن جراء ذلك-؛ لأن قوله في دخول الشهر إن لم يُشتهر فلم يصر شهرًا؛ لأن الشهر مِن الشهرة؛ وقد مرَّ معنا قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ، وَالفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَالأَضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) ، وقوله -عليه الصلاة والسلام-: ( فِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَأَضْحَاكُمْ يَوْمُ تُضَحُّونَ، وَعَرَفَةُ يَوْمَ تُعَرِّفُونَ ) ( أخرجه الشافعي في الأم والبيهقي في السنن الكبرى، وصححه الألباني ) ، وعلى هذا أيضًا فلا عبرة بالخطأ بفعل الناس في ذلك أو في رؤيتهم للهلال، بل نصوم مع المسلمين ونفطر معهم.