جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 1
ابن جرير الطبري • التفسير • ج1 ص55
تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
فلا يتحولن منه إلى قراءة ما فيه من القصص والمثل، وإنما عنى رحمة الله عليه، أن من قرأ بحرفه، وحرفه: قراءته. وكذلك تقول العرب لقراءة رجل: حرف فلان، وتقول للحرف من حروف الهجاء المقطعة: حرف، كما تقول لقصيدة من قصائد الشاعر: كلمة فلان. فلا يتحولن عنه إلى غيره رغبة عنه. ومن قرأ بحرف أبي، أو بحرف زيد، أو بحرف بعض من قرأ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ببعض الأحرف السبعة، فلا يتحولن عنه إلى غيره رغبة عنه، فإن الكفر ببعضه كفر بجميعه، والكفر بحرف من ذلك كفر بجميعه، يعني بالحرف ما وصفنا من قراءة بعض من قرأ ببعض الأحرف السبعة وقد
حدثنا يحيى بن داود الواسطي، قال: حدثنا أبو أسامة، عن الأعمش، قال: قرأ أنس هذه الآية: (إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأصوب قيلا) ، فقال له بعض القوم: يا أبا حمزة إنما هي وأقوم فقال: «أقوم وأصوب وأهدى، واحد»
وحدثني محمد بن حميد الرازي، قال: حدثنا حكام، عن عنبسة، عن ليث، عن مجاهد: «أنه كان يقرأ القرآن على خمسة أحرف»
وحدثنا ابن حميد، قال حدثنا حكام، عن عنبسة، عن سالم: أن سعيد بن جبير «كان يقرأ القرآن على حرفين»
وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن مغيرة، قال: كان يزيد بن الوليد «يقرأ القرآن على ثلاثة أحرف» PageEndV01P048 أفترى الزاعم أن تأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم «أنزل القرآن على سبعة أحرف» إنما هو أنه نزل على الأوجه السبعة التي ذكرنا من الأمر، والنهي، والوعد، والوعيد، والجدل، والقصص، والمثل، كان يرى أن مجاهدا وسعيد بن جبير، لم يقرأا من القرآن، إلا ما كان من وجهيه، أو وجوهه الخمسة، دون سائر معانيه؟ لئن كان ظن ذلك بهما لقد ظن بهما غير الذي يعرفان به، من منازلهما من القرآن، ومعرفتهما بآي الفرقان
وحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، قال: حدثنا أيوب، عن محمد، قال: " نبئت أن جبرائيل، وميكائيل، أتيا النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له جبرائيل: اقرأ القرآن على حرفين. فقال له ميكائيل: استزده فقال: اقرأ القرآن على ثلاثة أحرف. فقال له ميكائيل: استزده. قال: حتى بلغ سبعة أحرف " قال محمد: لا تختلف في حلال، ولا حرام، ولا أمر، ولا نهي، هو كقولك: تعال وهلم وأقبل. قال: وفي قراءتنا: {إن كانت إلا صيحة واحدة} [يس: 29] ، وفي قراءة ابن مسعود: «إن كانت إلا زقية واحدة»
وحدثني يعقوب، قال حدثنا ابن علية، قال حدثنا شعيب، يعني ابن الحبحاب، قال: كان أبو العالية إذا قرأ عنده رجل، لم يقل: ليس كما يقرأ وإنما يقول: أما أنا فأقرأ كذا وكذا. قال: فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي، فقال: «أرى PageEndV01P049 صاحبك قد سمع أن من كفر بحرف منه، فقد كفر به كله»
حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنبأنا ابن وهب، قال: حدثنا يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيب أن الذي ذكر الله تعالى ذكره: {إنما يعلمه بشر} [النحل: 103] إنما افتتن أنه كان يكتب الوحي، فكان يملي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: سميع عليم، أو عزيز حكيم، وغير ذلك من خواتم الآي، ثم يشتغل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو على الوحي، فيستفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول: «أعزيز حكيم، أو سميع عليم، أو عزيز عليم؟» فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أي ذلك كتبت، فهو كذلك» ، ففتنه ذلك، فقال: إن محمدا وكل ذلك إلي، فأكتب ما شئت وهو الذي ذكر لي سعيد بن المسيب من الحروف السبعة
حدثنا ابن حميد، قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن عبد الله، قال: «من كفر بحرف من القرآن، أو بآية منه، فقد كفر به كله» قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: فإذا كان تأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم «أنزل القرآن على سبعة أحرف» عندك ما وصفت بما عليه استشهدت، فأوجدنا حرفا في كتاب الله مقروءا بسبع لغات، فنحقق بذلك قولك، وإلا فإن لم تجد ذلك كذلك، كان معلوما بعدمكه صحة قول من زعم أن تأويل ذلك أنه نزل بسبعة معان، وهو: الأمر، والنهي، والوعد، والوعيد، والجدل، والقصص، والمثل، وفساد قولك. أو تقول في ذلك: إن الأحرف السبعة لغات في القرآن سبع، متفرقة PageEndV01P050 في جميعه من لغات أحياء من قبائل العرب مختلفة الألسن، كما كان يقوله بعض من لم يمعن النظر في ذلك، فيصير بذلك إلى القول بما لا يجهل فساده ذو عقل، ولا يلتبس خطؤه على ذي لب، وذلك أن الأخبار التي بها احتججت لتصحيح مقالتك في تأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم «نزل القرآن على سبعة أحرف» هي الأخبار التي رويتها عن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، رحمة الله عليهم، وعمن رويت ذلك عنه، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأنهم تماروا في تلاوة بعض القرآن، فاختلفوا في قراءته دون تأويله، وأنكر بعض قراءة بعض، مع دعوى كل قارئ منهم قراءة منها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أقرأه ما قرأ بالصفة التي قرأ، ثم احتكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان من حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم، أن صوب قراءة كل قارئ منهم، على خلافها قراءة أصحابه الذين نازعوه فيها، وأمر كل امرئ منهم أن يقرأ كما علم، حتى خالط قلب بعضهم الشك في الإسلام، لما رأى من تصويب رسول الله صلى الله عليه وسلم قراءة كل قارئ منهم على اختلافها، ثم جلاه الله عنه، ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم له، أن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فإن كانت الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن عندك كما قال هذا القائل متفرقة في القرآن، مثبتة اليوم في مصاحف أهل الإسلام فقد بطلت معاني الأخبار التي رويتها عمن رويتها عنه، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنهم اختلفوا في قراءة سورة من القرآن، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر كلا أن يقرأ كما علم، لأن PageEndV01P051 الأحرف السبعة، إذا كانت لغات متفرقة في جميع القرآن، فغير موجب حرف من ذلك اختلافا بين تاليه، لأن كل تال فإنما يتلو ذلك الحرف تلاوة واحدة، على ما هو به في المصحف، وعلى ما أنزل، وإذا كان ذلك كذلك، بطل وجه اختلاف الذين روي عنهم أنهم اختلفوا في قراءة سورة، وفسد معنى أمر النبي صلى الله عليه وسلم كل قارئ منهم أن يقرأه على ما علم، إذ كان لا معنى هنالك يوجب اختلافا في لفظ ولا افتراقا في معنى، وكيف يجوز أن يكون هنالك اختلاف بين القوم، والمعلم واحد، والعلم واحد غير ذي أوجه؟ وفي صحة الخبر عن الذين روي عنهم الاختلاف في حروف القرآن، على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنهم اختلفوا وتحاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، على ما تقدم وصفناه أبين الدلالة على فساد القول، بأن الأحرف السبعة إنما هي أحرف سبعة متفرقة في سور القرآن، لا أنها لغات مختلفة في كلمة واحدة، باتفاق المعاني، مع أن المتدبر إذا تدبر قول هذا القائل، في تأويله قول النبي صلى الله عليه وسلم «أنزل القرآن على سبعة أحرف» وادعائه أن معنى ذلك أنها سبع لغات متفرقة في جميع القرآن، ثم جمع بين قيله ذلك، واعتلاله لقيله ذلك بالأخبار التي رويت عمن روى ذلك عنه من الصحابة والتابعين، أنه قال: هو بمنزلة قولك: تعال وهلم وأقبل، وأن بعضهم قال: هو بمنزلة قراءة عبد الله: «إلا زقية» ، وهي في قراءتنا: {إلا صيحة} [يس: 29] ، وما أشبه ذلك من حججه، علم أن حججه مفسدة في ذلك مقالته، وأن مقالته فيه مضادة حججه، لأن الذي نزل به القرآن عنده إحدى القراءتين، إما صيحة وإما زقية، وإما تعال أو أقبل أو هلم، لا جميع PageEndV01P052 ذلك، لأن كل لغة من اللغات السبع عنده في كلمة أو حرف من القرآن غير الكلمة أو الحرف الذي فيه اللغة الأخرى، وإذا كان ذلك كذلك بطل اعتلاله لقوله بقول من قال ذلك بمنزلة: هلم، وتعال، وأقبل، لأن هذه الكلمات هي ألفاظ مختلفة يجمعها في التأويل معنى واحد، وقد أبطل قائل هذا القول الذي حكينا قوله اجتماع اللغات السبع في حرف واحد من القرآن، فقد تبين بذلك إفساد حجته، لقوله بقوله، وإفساد قوله بحجته، فقيل له: ليس القول في ذلك بواحد من الوجهين اللذين وصفت، بل الأحرف السبعة التي أنزل الله بها القرآن هن لغات سبع في حرف واحد وكلمة واحدة، باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني، كقول القائل: هلم، وأقبل، وتعال، وإلي، وقصدي، ونحوي، وقربي، ونحو ذلك مما تختلف فيه الألفاظ، بضروب من المنطق، وتتفق فيه المعاني، وإن اختلفت بالبيان به الألسن، كالذي روينا آنفا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمن روينا ذلك عنه من الصحابة، أن ذلك بمنزلة قولك: هلم، وتعال، وأقبل، وقوله: «ما ينظرون إلا زقية» ، و {إلا صيحة} [يس: 29] . فإن قال: ففي أي كتاب الله نجد حرفا واحدا مقروءا بلغات سبع مختلفات الألفاظ متفقات المعنى، فنسلم لك بصحة ما ادعيت من التأويل في ذلك؟ قيل: إنا لم ندع أن ذلك موجود اليوم، وإنما أخبرنا أن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنزل القرآن على سبعة أحرف» ، على نحو ما جاءت به الأخبار التي تقدم PageEndV01P053 وذكرناها، هو ما وصفنا دون ما ادعاه مخالفونا في ذلك للعلل التي قد بينا. فإن قال: فما بال الأحرف الأخر الستة غير موجودة، إن كان الأمر في ذلك على ما وصفت، وقد أقرأهن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، وأمر بالقراءة بهن، وأنزلهن الله من عنده على نبيه صلى الله عليه وسلم، أنسخت فرفعت؟ فما الدلالة على نسخها ورفعها؟ أم نسيتهن الأمة؟ فذلك تضييع ما قد أمروا بحفظه، أم ما القصة في ذلك؟ قيل له: لم تنسخ فترفع، ولا ضيعتها الأمة، وهي مأمورة بحفظها، ولكن الأمة أمرت بحفظ القرآن وخيرت في قراءته وحفظه، بأي تلك الأحرف السبعة شاءت، كما أمرت إذا هي حنثت في يمين وهي موسرة أن تكفر بأي الكفارات الثلاث شاءت: إما بعتق، أو إطعام، أو كسوة، فلو أجمع جميعها على التكفير بواحدة من الكفارات الثلاث، دون حظرها التكفير بأي الثلاث شاء المكفر، كانت مصيبة حكم الله، مؤدية في ذلك الواجب عليها من حق الله، فكذلك الأمة أمرت بحفظ القرآن وقراءته، وخيرت في قراءته بأي الأحرف السبعة شاءت، فرأت لعلة من العلل، أوجبت عليها الثبات على حرف واحد، قراءته بحرف واحد، ورفض القراءة بالأحرف الستة الباقية، ولم تحظر قراءته بجميع حروفه على قارئه، بما أذن له في قراءته به. فإن قال: وما العلة التي أوجبت عليها الثبات على حرف واحد، دون سائر الأحرف الستة الباقية؟ PageEndV01P054 قيل
حدثنا أحمد بن عبدة الضبي، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عمارة بن غزية، عن ابن شهاب، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه زيد قال: " لما قتل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم باليمامة، دخل عمر بن الخطاب على أبي بكر رحمه الله، فقال: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم باليمامة تهافتوا تهافت الفراش في النار، وإني أخشى أن لا يشهدوا موطنا إلا فعلوا ذلك حتى يقتلوا، وهم حملة القرآن، فيضيع القرآن وينسى، فلو جمعته وكتبته؟ فنفر منها أبو بكر، وقال: أفعل ما لم يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فتراجعا في ذلك، ثم أرسل أبو بكر إلى زيد بن ثابت " قال زيد: " فدخلت عليه، وعمر محزئل، فقال أبو بكر: إن هذا قد دعاني إلى أمر، فأبيت عليه، وأنت كاتب الوحي، فإن تكن معه اتبعتكما، وإن توافقني لا أفعل " قال: " فاقتص أبو بكر قول عمر، وعمر ساكت. فنفرت من ذلك، وقلت: نفعل ما لم يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ إلى أن قال عمر كلمة: وما عليكما لو فعلتما ذلك؟ " قال: " فذهبنا ننظر. فقلنا: لا شيء، والله ما علينا في ذلك شيء " قال زيد: " فأمرني أبو بكر، فكتبته في قطع الآدم، وكسر الأكتاف والعسب فلما هلك أبو بكر، وكان عمر كتب ذلك في صحيفة واحدة، فكانت عنده، فلما هلك، كانت الصحيفة عند حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ثم إن حذيفة بن اليمان قدم من غزوة كان غزاها، في مرج أرمينية، فلم يدخل بيته حتى أتى عثمان بن عفان، فقال: يا أمير المؤمنين، PageEndV01P055 أدرك الناس فقال عثمان: وما ذاك؟ قال: غزوت مرج أرمينية، فحضرها أهل العراق وأهل الشام، فإذا أهل الشام يقرءون بقراءة أبي بن كعب، فيأتون بما لم يسمع أهل العراق، فتكفرهم أهل العراق. وإذا أهل العراق يقرءون بقراءة ابن مسعود، فيأتون بما لم يسمع أهل الشام، فتكفرهم أهل الشام " قال زيد: " فأمرني عثمان بن عفان أكتب له مصحفا، وقال: إني مدخل معك رجلا لبيبا فصيحا، فما اجتمعتما عليه فاكتباه، وما اختلفتما فيه فارفعا إلي. فجعل معه أبان بن سعيد بن العاص " قال: " فلما بلغا {إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت} [البقرة: 248] «قال زيد،» فقلت: التابوه. وقال أبان بن سعيد: التابوت، فرفعنا ذلك إلى عثمان، فكتب التابوت " قال: " فلما فرغت، عرضته عرضة، فلم أجد فيه هذه الآية {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} [الأحزاب: 23] إلى قوله {وما بدلوا تبديلا} [الأحزاب: 23] " قال: " فاستعرضت المهاجرين أسألهم عنها، فلم أجدها عند أحد منهم. ثم استعرضت الأنصار أسألهم عنها، فلم أجدها عند أحد منهم، حتى وجدتها عند خزيمة بن ثابت فكتبتها، ثم عرضته عرضة أخرى، فلم أجد فيه هاتين الآيتين {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم} [التوبة: 128] إلى آخر السورة، فاستعرضت المهاجرين فلم أجدها عند أحد منهم، ثم استعرضت الأنصار أسألهم عنها، فلم أجدها عند أحد منهم، حتى وجدتها مع رجل آخر، يدعى خزيمة أيضا، فأثبتها في آخر براءة، ولو تمت ثلاث آيات، لجعلتها سورة على حدة، ثم
