شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 1

ابن جرير الطبري • التفسير • ج1 ص97

تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان

جميع خلقه، وهو أوقات ما كان من آجال الأمور الحادثة، التي أخبر الله في كتابه أنها كائنة، مثل وقت قيام الساعة، ووقت نزول عيسى ابن مريم، ووقت طلوع الشمس من مغربها، والنفخ في الصور، وما أشبه ذلك. والوجه الثاني: ما خص الله بعلم تأويله نبيه صلى الله عليه وسلم، دون سائر أمته، وهو ما فيه مما بعباده إلى علم تأويله الحاجة، فلا سبيل لهم إلى علم ذلك، إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم لهم تأويله. والثالث منها: ما كان علمه عند أهل اللسان الذي نزل به القرآن، وذلك علم تأويل عربيته وإعرابه، لا توصل إلى علم ذلك إلا من قبلهم، فإذا كان ذلك كذلك، فأحق المفسرين بإصابة الحق في تأويل القرآن الذي إلى علم تأويله للعباد سبيل، أوضحهم حجة فيما تأول وفسر، مما كان تأويله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، دون سائر أمته، من أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم، الثابتة عنه، إما من وجه النقل المستفيض، فيما وجد فيه من ذلك عنه النقل المستفيض، وإما من وجه نقل العدول الأثبات، فيما لم يكن فيه عنه النقل المستفيض، أو من وجه الدلالة المنصوبة على صحته، وأوضحهم برهانا فيما ترجم وبين من ذلك، مما كان مدركا علمه من جهة اللسان، إما بالشواهد من أشعارهم السائرة، وإما من منطقهم PageEndV01P088

ولغاتهم المستفيضة المعروفة، كائنا من كان ذلك المتأول والمفسر، بعد أن لا يكون خارجا تأويله وتفسيره ما تأول وفسر من ذلك عن أقوال السلف من الصحابة والأئمة والخلف من التابعين وعلماء الأمة.

القول في تأويل أسماء القرآن وسوره وآيه

قال أبو جعفر: إن الله تعالى ذكره، سمى تنزيله الذي أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، أسماء أربعة: منهن القرآن، فقال في تسميته إياه بذلك، في تنزيله: {نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن

كنت من قبله لمن الغافلين} [يوسف: 3] وقال: {إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون} [النمل: 76] . ومنهن الفرقان: قال جل ثناؤه، في وحيه إلى نبيه صلى الله عليه وسلم، يسميه بذلك: {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا} [الفرقان: 1] . ومنهن الكتاب: قال تبارك اسمه، في تسميته إياه به: {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما} [الكهف: 2] . ومنهن الذكر: قال تعالى ذكره، في تسميته إياه به: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر: 9] . ولكل اسم من أسمائه الأربعة في كلام العرب معنى ووجه غير معنى الآخر ووجهه. PageEndV01P089

فأما القرآن: فإن المفسرين اختلفوا في تأويله، والواجب أن يكون تأويله على قول ابن عباس، من التلاوة والقراءة، وأن يكون مصدرا من قول القائل: قرأت القرآن، كقولك الخسران: من خسرت، والغفران: من غفر الله لك، والكفران: من كفرتك. والفرقان: من فرق الله بين الحق والباطل.

وذلك أن يحيى بن عثمان بن صالح السهمي، حدثني قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله: {فإذا قرأناه} [القيامة: 18] ، يقول: " بيناه، فاتبع قرآنه، يقول: اعمل به " ومعنى قول ابن عباس هذا، فإذا بيناه بالقراءة، فاعمل بما بيناه لك بالقراءة. ومما يوضح صحة ما قلنا في تأويل حديث ابن عباس هذا ما

حدثني به، محمد بن سعد، قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن عبد الله بن عباس، " {إن علينا جمعه وقرآنه} [القيامة: 17] قال: أن نقرئك فلا تنسى، {فإذا قرأناه} [القيامة: 18] عليك {فاتبع قرآنه} [القيامة: 18] يقول: إذا تلي عليك، فاتبع ما فيه " قال أبو جعفر: فقد صرح هذا الخبر عن ابن عباس، أن معنى القرآن عنده القراءة، فإنه مصدر من قول القائل قرأت علي ما قد قلناه، وأما على قول قتادة، فإن الواجب أن يكون مصدرا، من قول القائل قرأت PageEndV01P090 الشيء إذا جمعته وضممت بعضه إلى بعض، كقولك: ما قرأت هذه الناقة سلى قط، تريد بذلك أنها لم تضم رحما على ولد، كما قال عمرو بن كلثوم التغلبي: [البحر الوافر]

تريك إذا دخلت على خلاء ... وقد أمنت عيون الكاشحينا

ذراعي عيطل أدماء بكر ... هجان اللون لم تقرأ جنينا

يعني بقوله: لم تقرأ جنينا: لم تضمم رحما على ولد.

وذلك أن بشر بن معاذ العقدي حدثنا قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، في قوله تعالى: " {إن علينا جمعه وقرآنه} [القيامة: 17] يقول: حفظه وتأليفه، {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} [القيامة: 18] يقول: اتبع حلاله، واجتنب PageEndV01P092 حرامه " وحدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: حدثنا محمد بن ثور، قال: حدثنا معمر، عن قتادة، بمثله. فرأى قتادة أن تأويل القرآن: التأليف، قال أبو جعفر: ولكلا القولين أعني قول ابن عباس وقول قتادة، اللذين حكيناهما، وجه صحيح في كلام العرب. غير أن أولى قوليهما بتأويل قول الله تعالى {إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} [القيامة: 18] قول ابن عباس، لأن الله وجل ثناؤه أمر نبيه في غير آية من تنزيله، باتباع ما أوحي إليه، ولم يرخص له في ترك اتباع شيء من أمره، إلى وقت تأليفه القرآن، فكذلك قوله {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} [القيامة: 18] نظير سائر ما في آي القرآن التي أمره الله فيها باتباع ما أوحي إليه في تنزيله، ولو وجب أن يكون معنى قوله {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} [القيامة: 18] فإذا ألفناه فاتبع ما ألفنا لك فيه، لوجب أن لا يكون كان لزمه فرض {اقرأ باسم ربك الذي خلق} [العلق: 1] ولا فرض {يا أيها المدثر قم فأنذر} [المدثر: 1] قبل أن يؤلف إلى ذلك غيره من القرآن وذلك إن قاله قائل خروج من قول أهل الملة، PageEndV01P093 وإذا صح أن حكم كل آية من آي القرآن، كان لازما النبي صلى الله عليه وسلم، اتباعه والعمل به، مؤلفة كانت إلى غيرها، أو غير مؤلفة، صح ما قال ابن عباس في تأويل قوله {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} [القيامة: 18] أنه يعني به: فإذا بيناه لك بقراءتنا، فاتبع ما بيناه لك بقراءتنا، دون قول من قال: معناه فإذا ألفناه فاتبع ما ألفناه. وقد قيل، إن قول الشاعر: [البحر البسيط]

ضحوا بأشمط عنوان السجود به ... يقطع الليل تسبيحا وقرآنا

يعني به قائله: تسبيحا وقراءة. فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يسمى قرآنا بمعنى القراءة، وإنما هو مقروء؟ قيل كما جاز أن يسمى المكتوب كتابا، بمعنى كتاب الكاتب، كما قال الشاعر، في صفة كتاب طلاق، كتبه لامرأته: [البحر الوافر]

تؤمل رجعة مني وفيها ... كتاب مثل ما لصق الغراء

يريد: طلاقا مكتوبا، فجعل المكتوب كتابا. وأما تأويل اسمه، الذي هو فرقان، فإن تفسير أهل التفسير جاء في ذلك بألفاظ PageEndV01P094 مختلفة، هي في المعاني مؤتلفة. فقال عكرمة فيما

حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا حكام بن سلم، عن عنبسة، عن جابر، عن عكرمة، أنه كان يقول: «هو النجاة» وكذلك كان السدي يتأوله. حدثنا بذلك محمد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن المفضل، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، وهو قول جماعة غيرهما وكان ابن عباس يقول: الفرقان: المخرج حدثني بذلك يحيى بن عثمان بن صالح، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، وكذلك كان مجاهد يقول في تأويله

حدثنا بذلك ابن حميد، قال: حدثنا حكام، عن عنبسة، عن جابر، عن مجاهد وكان مجاهد يقول في قول الله عز وجل: " {يوم الفرقان} [الأنفال: 41] يوم فرق الله فيه بين الحق والباطل " حدثني بذلك محمد بن عمرو الباهلي، قال: حدثني أبو عاصم، عن عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد فكل هذه التأويلات في معنى الفرقان، على اختلاف ألفاظها متقاربات المعاني، وذلك أن من جعل له مخرج من أمر كان فيه فقد جعل ذلك المخرج منه PageEndV01P095 نجاة، وكذلك إذا نجى منه فقد نصر على من بغاه فيه سوءا، وفرق بينه وبين باغيه بالسوء. فجميع ما روينا عمن روينا عنه في معنى الفرقان قول صحيح المعنى، لاتفاق معاني ألفاظهم في ذلك. وأصل الفرقان عندنا: الفرق بين الشيئين، والفصل بينهما وقد يكون ذلك بقضاء، واستنقاذ، وإظهار حجة، وتصرف، وغير ذلك من المعاني المفرقة بين المحق والمبطل. فقد تبين بذلك، أن القرآن سمي فرقانا، لفصله بحجته وأدلته وحدوده وفرائضه وسائر معاني حكمه، بين المحق والمبطل، وفرقانه بينهما بنصره المحق وتخذيله المبطل، حكما وقضاء. وأما تأويل اسمه الذي هو الكتاب فهو مصدر من قولك كتبت كتابا، كما تقول قمت قياما، وحسبت الشيء حسابا، والكتاب هو خط الكاتب حروف المعجم، مجموعة ومفترقة، وسمي كتابا وإنما هو مكتوب، كما قال الشاعر في البيت الذي استشهدنا به: [البحر الوافر]

...... وفيها ... كتاب مثل ما لصق الغراء. PageEndV01P096

يعني به مكتوبا.

وأما تأويل اسمه الذي هو الذكر، فإنه محتمل معنيين: أحدهما أنه ذكر من الله جل ذكره، ذكر به عباده، فعرفهم فيه حدوده وفرائضه، وسائر ما أودعه من حكمه والآخر أنه ذكر وشرف وفخر لمن آمن به وصدق بما فيه، كما قال جل ثناؤه: {وإنه لذكر لك ولقومك} [الزخرف: 44] يعني به أنه شرف له ولقومه. ثم لسور القرآن أسماء سماها بها رسول الله صلى الله عليه وسلم

حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا أبو العوام، وحدثني محمد بن خلف العسقلاني، قال: حدثنا رواد بن الجراح، قال: حدثنا سعيد بن بشير، جميعا عن قتادة، عن أبي المليح، عن واثلة بن الأسقع، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «أعطيت مكان التوراة السبع الطول، وأعطيت مكان الزبور المئين، وأعطيت مكان الإنجيل المثاني، وفضلت بالمفصل»

وحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، عن خالد الحذاء، عن أبي PageEndV01P097 قلابة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطيت السبع الطول مكان التوراة، وأعطيت المثاني مكان الزبور، وأعطيت المئين مكان الإنجيل، وفضلت بالمفصل» قال خالد: كانوا يسمون المفصل: العربي؛ قال خالد: قال بعضهم: ليس في العربي سجدة

وحدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا حكام بن سلم، عن عمرو بن أبي قيس، عن عاصم، عن المسيب، عن ابن مسعود، قال: «الطول كالتوارة. والمئون كالإنجيل، والمثاني كالزبور، وسائر القرآن بعد فضل على الكتب»

حدثني أبو عبيد الوصابي، قال: حدثنا محمد بن حفص قال: أنبأنا أبو حميد، حدثنا الفزاري عن ليث بن أبي سليم، عن أبي بردة، عن أبي المليح، عن واثلة بن الأسقع، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «أعطاني ربي مكان التوراة السبع الطول، ومكان الإنجيل المثاني، ومكان الزبور المئين، وفضلني بالمفصل» PageEndV01P098

قال أبو جعفر: فالسبع الطول: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، ويونس؛ في قول سعيد بن جبير حدثني بذلك يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، وقد روي عن ابن عباس، قول يدل على موافقته قول سعيد هذا

الصفحة السابقة الصفحة التالية