جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 2
ابن جرير الطبري • التفسير • ج2 ص641
تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
كسائر ما قد ذكرنا فيما مضى من نظائره. وإنما قلنا ذلك معناه؛ لأن محنة الله أصحاب رسوله في القبلة إنما كانت فيما تظاهرت به الأخبار عند التحويل من بيت المقدس إلى الكعبة، حتى ارتد فيما ذكر رجال ممن كان قد أسلم واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأظهر كثير من المنافقين من أجل ذلك نفاقهم، وقالوا: ما بال محمد يحولنا مرة إلى ها هنا، ومرة إلى ها هنا؟ وقال المسلمون فيما مضى من إخوانهم المسلمين، وهم يصلون نحو بيت المقدس: بطلت أعمالنا وأعمالهم وضاعت. وقال المشركون: تحير محمد صلى الله عليه وسلم في دينه. فكان ذلك فتنة للناس وتمحيصا للمؤمنين، فلذلك قال جل ثناؤه: {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه} [البقرة: 143] أي: وما جعلنا صرفك عن القبلة التي كنت عليها، وتحويلك إلى غيرها، كما قال جل ثناؤه: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} [الإسراء: 60] بمعنى: وما جعلنا خبرك عن الرؤيا التي، أريناك؛ وذلك أنه لو لم يكن أخبر القوم بما كان أري لم يكن فيه على أحد فتنة، وكذلك القبلة الأولى التي كانت نحو بيت المقدس، لو لم يكن صرف عنها إلى الكعبة لم يكن فيها على أحد فتنة ولا محنة. ذكر الأخبار التي رويت في ذلك بمعنى ما قلنا
حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة، قال: " PageEndV02P640 كانت القبلة فيها بلاء وتمحيص صلت الأنصار نحو بيت المقدس حولين قبل قدوم نبي الله صلى الله عليه وسلم، وصلى نبي الله صلى الله عليه وسلم بعد قدومه المدينة مهاجرا نحو بيت المقدس سبعة عشر شهرا، ثم وجهه الله بعد ذلك إلى الكعبة البيت الحرام، فقال في ذلك قائلون من الناس: {ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها} [البقرة: 142] لقد اشتاق الرجل إلى مولده قال الله عز وجل: {قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} [البقرة: 142] فقال أناس لما صرفت القبلة نحو البيت الحرام: كيف بأعمالنا التي كنا نعمل في قبلتنا الأولى؟ فأنزل الله عز وجل: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} [البقرة: 143] وقد يبتلي الله العباد بما شاء من أمره الأمر بعد الأمر، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه. وكل ذلك مقبول إذا كان في إيمان بالله، وإخلاص له، وتسليم لقضائه "
حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي قبل بيت المقدس، فنسختها الكعبة. فلما وجه قبل المسجد الحرام، اختلف الناس فيها، فكانوا أصنافا؛ فقال المنافقون: ما بالهم كانوا على قبلة زمانا، ثم تركوها وتوجهوا إلى غيرها؟ وقال المسلمون: ليت شعرنا عن إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون قبل بيت المقدس، هل تقبل الله منا ومنهم أو لا؟ وقالت اليهود: إن محمدا اشتاق إلى بلد أبيه ومولده، ولو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون هو صاحبنا الذي ننتظر. وقال المشركون من أهل مكة، تحير على محمد دينه، PageEndV02P641 فتوجه بقبلته إليكم، وعلم أنكم كنتم أهدى منه، ويوشك أن يدخل في دينكم. فأنزل الله جل ثناؤه في المنافقين: {سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها} [البقرة: 142] إلى قوله {وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله} [البقرة: 143] وأنزل في الآخرين الآيات بعدها "
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء، {إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه} [البقرة: 143] فقال عطاء «يبتليهم ليعلم من يسلم لأمره» قال ابن جريج: بلغني أن ناسا ممن أسلم رجعوا فقالوا مرة: هاهنا ومرة هاهنا فإن قال لنا قائل: أوما كان الله عالما بمن يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه إلا بعد اتباع المتبع، وانقلاب المنقلب على عقبيه، حتى قال: ما فعلنا الذي فعلنا من تحويل القبلة إلا لنعلم المتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنقلب على عقبيه؟ قيل: إن الله جل ثناؤه هو العالم بالأشياء كلها قبل كونها وليس قوله: {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه} [البقرة: 143] يخبر أنه لم يعلم ذلك إلا بعد وجوده. فإن قال: فما معنى ذلك؟ قيل له: أما معناه عندنا فإنه: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا ليعلم رسولي وحزبي وأوليائي من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه. فقال جل ثناؤه: {إلا
#
