جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 4
ابن جرير الطبري • التفسير • ج4 ص642
تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الصاد وضمها، ولا تفريق منهم بين معنيي القراءتين أعني الكسر والضم، أوضح الدليل على صحة قول القائلين من نحويي أهل البصرة في ذلك ما حكينا عنهم من القول، وخطأ قول نحويي الكوفيين؛ لأنهم لو كانوا إنما تأولوا قوله: {فصرهن} [البقرة: 260] بمعنى فقطعهن، على أن أصل الكلام فاصرهن، ثم قلبت فقيل فصرهن بكسر الصاد لتحول ياء فاصرهن مكان رائه، وانتقال رائه مكان يائه، لكان لا شك مع معرفتهم بلغتهم وعلمهم بمنطقهم، قد فصلوا بين معنى ذلك إذا قرئ بكسر صاده، وبينه إذا قرئ بضمها، إذ كان غير جائز لمن قلب فاصرهن إلى فصرهن أن يقرأه فصرهن بضم الصاد، وهم مع اختلاف قراءتهم ذلك قد تأولوه تأويلا واحدا على أحد الوجهين اللذين ذكرنا، ففي ذلك أوضح الدليل على خطأ قول من قال: إن ذلك إذا قرئ بكسر الصاد بتأويل التقطيع مقلوبا من صرى يصري إلى صار يصير، وجهل من زعم أن قول القائل صار يصور وصار يصير غير معروف في كلام العرب بمعنى قطع. ذكر من حضرنا قوله في تأويل قول الله تعالى ذكره: {فصرهن} [البقرة: 260] أنه بمعنى فقطعهن
حدثنا سليمان بن عبد الجبار، قال: ثنا محمد بن الصلت، قال: ثنا أبو كدينة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {فصرهن} [البقرة: 260] قال: «هي نبطية فشققهن»
حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي جمرة، عن ابن عباس، أنه قال في هذه الآية: {فخذ أربعة من الطير فصرهن PageEndV04P640 إليك} [البقرة: 260] قال: «إنما هو مثل» ، قال: «قطعهن ثم اجعلهن في أرباع الدنيا، ربعا ها هنا، وربعا هاهنا، ثم ادعهن يأتينك سعيا»
حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {فصرهن} [البقرة: 260] قال: «قطعهن»
حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن أبي مالك، في قوله: {فصرهن إليك} [البقرة: 260] يقول: «قطعهن» حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن حصين، عن أبي مالك، مثله
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد: {فصرهن} [البقرة: 260] قال: «قال جناح ذه عند رأس ذه، ورأس ذه عند جناح ذه»
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: زعم أبو عمرو، عن عكرمة، في قوله: {فصرهن إليك} [البقرة: 260] قال: قال عكرمة " بالنبطية: قطعهن "
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن يحيى، PageEndV04P641 عن مجاهد: {فصرهن إليك} [البقرة: 260] قال: «قطعهن»
حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {فصرهن إليك} [البقرة: 260] «انتفهن بريشهن ولحومهن تمزيقا، ثم اخلط لحومهن بريشهن»
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {فصرهن إليك} [البقرة: 260] قال: «انتفهن بريشهن ولحومهن تمزيقا»
حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فصرهن إليك} [البقرة: 260] «أمر نبي الله عليه السلام أن يأخذ أربعة من الطير فيذبحهن، ثم يخلط بين لحومهن وريشهن ودمائهن»
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {فصرهن إليك} [البقرة: 260] قال: «فمزقهن» ، قال: «أمر أن يخلط الدماء بالدماء، والريش بالريش» ، {ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا} [البقرة: 260]
حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، PageEndV04P642 قال: سمعت الضحاك: {فصرهن إليك} [البقرة: 260] يقول: «فشققهن وهو بالنبطية صرى، وهو التشقيق»
حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {فصرهن إليك} [البقرة: 260] يقول «قطعهن»
حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: {فصرهن إليك} [البقرة: 260] يقول «قطعهن إليك ومزقهن تمزيقا»
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {فصرهن إليك} [البقرة: 260] «أي قطعهن، وهو الصور في كلام العرب» ففيما ذكرنا من أقوال من روينا في تأويل قوله: {فصرهن إليك} [البقرة: 260] أنه بمعنى فقطعهن إليك دلالة واضحة على صحة ما قلنا في ذلك، وفساد قول من خالفنا فيه، وإذ كان ذلك كذلك، فسواء قرأ القارئ ذلك بضم الصاد {فصرهن إليك} [البقرة: 260] أو كسرها (فصرهن) إذ كانت اللغتان معروفتين بمعنى واحد، غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإن أحبهما إلي أن أقرأ به {فصرهن إليك} [البقرة: 260] بضم الصاد؛ لأنها أعلى اللغتين وأشهرهما وأكثرهما في أحياء العرب وعند نفر قليل من أهل التأويل أنها بمعنى: أوثق
#
