جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 6
ابن جرير الطبري • التفسير • ج6 ص535
تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
كالذي: حدثني يوسف بن سلمان البصري، قال: ثنا حاتم بن إسماعيل، قال: ثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وإن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف»
حدثنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا زيد بن الحباب، قال: ثنا PageEndV06P536 موسى بن عبيدة الربذي، قال: ثنا صدقة بن يسار، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أيها الناس إن النساء عندكم عوان، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن حق، ولهن عليكم حق، ومن حقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا ولا يعصينكم في معروف، فإذا فعلن ذلك فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف» فأخبر صلى الله عليه وسلم أن من حق الزوج على المرأة أن لا توطئ فراشه أحدا، وأن لا تعصيه في معروف وأن الذي يجب لها من الرزق والكسوة عليه، وإنما هو واجب عليه، إذا أدت هي إليه ما يجب عليها من الحق بتركها إيطاء فراشه غيره، وتركها معصيته في معروف، ومعلوم أن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من حقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا» إنما هو أن لا يمكن أنفسهن من أحد سواكم، وإذا كان ما روينا في ذلك صحيحا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فبين أن لزوج المرأة إذا أوطأت امرأته نفسها غيره، وأمكنت من جماعها سواه أن له منعها من الكسوة والرزق بالمعروف، مثل الذي له من منعها ذلك إذا هي عصته في المعروف، وإذا كان ذلك له فمعلوم أنه غير مانع لها بمنعه إياها ماله منعها حقا لها واجبا عليه، وإذا كان ذلك كذلك فبين أنها إذا افتدت نفسها عند ذلك من زوجها فأخذ منها زوجها ما أعطته أنه لم يأخذ ذلك عن عضل منهي عنه، بل هو أخذ ما أخذ منها عن عضل له مباح، وإذ كان ذلك كذلك كان بينا أنه داخل في استثناء الله تبارك وتعالى الذي استثناه من العاضلين بقوله: {ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} [النساء: 19] وإذ صح ذلك، فبين فساد قول من قال: {إلا PageEndV06P537 أن يأتين بفاحشة مبينة} [النساء: 19] منسوخ بالحدود؛ لأن الحد حق الله تعالى على من أتى بالفاحشة التي هي زنا، وأما العضل لتفتدي المرأة من الزوج بما آتاها أو ببعضه فحق لزوجها كما عضله إياها وتضييقه عليها إذا هي نشزت عليه لتفتدي منه حق له، وليس حكم أحدهما يبطل حكم الآخر. فمعنى الآية: ولا يحل لكم أيها الذين آمنوا أن تعضلوا نساءكم، فتضيقوا عليهن، وتمنعوهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن من صدقاتكم، {إلا أن يأتين بفاحشة} [النساء: 19] من زنا أو بذاء عليكم، وخلاف لكم فيما يجب عليهن لكم مبينة ظاهرة، فيحل لكم حينئذ عضلهن، والتضييق عليهن، لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن من صداق، إن هن افتدين منكم به. واختلفت القراء في قراءة قوله: {مبينة} [النساء: 19] فقرأه بعضهم: (مبينة) بفتح الياء، بمعنى أنها قد بينت لكم وأعلنت وأظهرت، وقرأه بعضهم {مبينة} [النساء: 19] بكسر الياء، بمعنى أنها ظاهرة بينة للناس أنها فاحشة، وهما قراءتان مستفيضتان في قراءة أمصار الإسلام، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب في قراءته الصواب؛ لأن الفاحشة إذا أظهرها صاحبها فهي طاهرة بينة، وإذا ظهرت فبإظهار صاحبها إياها ظهرت، فلا تكون ظاهرة بينة إلا وهي مبينة ولا مبينة إلا وهى مبينة. فلذلك رأيت القراءة بأيهما قرأ القارئ صوابا
#
