شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 9

ابن جرير الطبري • التفسير • ج9 ص341

تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان

من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون} ، وبالخبر الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إذ سئل عن الصور: «هو قرن ينفخ فيه» . وقال آخرون: الصور في هذا الموضع: جمع صورة ينفخ فيها روحها فتحيا، كقولهم: سور لسور المدينة، وهو جمع سورة، كما قال جرير: [البحر الكامل]

سور المدينة والجبال الخشع

والعرب تقول: نفخ في الصور، ونفخ الصور. ومن قولهم: نفخ الصور قول الشاعر: [البحر البسيط]

لولا ابن جعدة لم تفتح قهندزكم ... ولا خراسان حتى ينفخ الصور

والصواب من القول في ذلك عندنا ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «إن إسرافيل قد التقم الصور وحنى جبهته ينتظر متى يومر فينفخ» ، وأنه قال: «الصور قرن ينفخ فيه» . وذكر عن ابن عباس أنه كان يقول في قوله: {يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة} [الأنعام: 73] يعني: أن عالم الغيب والشهادة هو الذي ينفخ في الصور "

حدثني به المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله: {عالم الغيب والشهادة} [الأنعام: 73] يعني: أن عالم الغيب والشهادة هو الذي ينفخ في الصور فكأن ابن عباس تأول في ذلك أن قوله: {عالم الغيب والشهادة} [الأنعام: 73] اسم الفاعل الذي لم يسم في قوله: {يوم ينفخ في الصور} [الأنعام: 73] ، وأن معنى الكلام: يوم ينفخ الله في الصور عالم الغيب والشهادة، كما تقول العرب: أكل طعامك عبد الله، فتظهر اسم الآكل بعد أن قد جرى الخبر بما لم يسم آكله. وذلك وإن كان وجها غير مدفوع، فإن أحسن من ذلك أن يكون قوله: {عالم الغيب والشهادة} [الأنعام: 73] مرفوعا على أنه نعت ل (الذي) في قوله: {وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق} ، وروي عنه أيضا أنه كان يقول: الصور في هذا الموضع: النفخة الأولى

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة} [الأنعام: 73] يعني بالصور النفخة الأولى، ألم تسمع أنه يقول: {ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى} يعني الثانية {فإذا هم قيام ينظرون} [الزمر: 68] ويعني بقوله: {عالم الغيب والشهادة} [الأنعام: 73] عالم ما تعاينون أيها الناس فتشاهدونه، وما يغيب عن حواسكم وأبصاركم فلا تحسونه ولا تبصرونه، PageEndV09P342 وهو الحكيم في تدبيره وتصريفه خلقه من حال الوجود إلى العدم، ثم من حال العدم والفناء إلى الوجود، ثم في مجازاتهم بما يجازيهم به من ثواب أو عقاب، خبير بكل ما يعملونه ويكسبونه من حسن وسيئ، حافظ ذلك عليهم ليجازيهم على كل ذلك. يقول تعالى ذكره: فاحذروا أيها العادلون بربكم عقابه، فإنه عليم بكل ما تأتون وتذرون، وهو لكم من وراء الجزاء على ما تعملون

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية