جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 10
ابن جرير الطبري • التفسير • ج10 ص519
تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا} [الأعراف: 164] هي قرية على شاطئ البحر بين مكة والمدينة يقال لها أيلة، فحرم الله عليهم الحيتان يوم سبتهم، فكانت الحيتان تأتيهم يوم سبتهم شرعا في ساحل البحر، فإذا مضى يوم السبت لم يقدروا عليها، فمكثوا بذلك ما شاء الله. ثم إن طائفة منهم أخذوا الحيتان يوم سبتهم، فنهتهم طائفة وقالوا: تأخذونها وقد حرمها الله عليكم يوم سبتكم، فلم يزدادوا إلا غيا وعتوا، وجعلت طائفة أخرى تنهاهم. فلما طال ذلك عليهم قالت طائفة من النهاة: تعلمون أن هؤلاء قوم قد حق عليهم العذاب {لم تعظون قوما الله مهلكهم} [الأعراف: 164] وكانوا أشد غضبا لله من الطائفة الأخرى، فقالوا: {معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون} [الأعراف: 164] وكل قد كانوا ينهون. فلما وقع عليهم PageEndV10P513 غضب الله، نجت الطائفتان اللتان قالوا: {لم تعظون قوما الله مهلكهم} [الأعراف: 164] ، والذين قالوا: {معذرة إلى ربكم} [الأعراف: 164] ، وأهلك الله أهل معصيته الذين أخذوا الحيتان، فجعلهم قردة وخنازير "
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " {واسألهم عن القرية التي، كانت حاضرة البحر} [الأعراف: 163] إلى قوله: {ويوم لا يسبتون لا تأتيهم} [الأعراف: 163] وذلك أن أهل قرية كانت حاضرة البحر كانت تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم، يقول: إذا كانوا يوم يسبتون تأتيهم شرعا، يعني من كل مكان، {ويوم لا يسبتون لا تأتيهم} [الأعراف: 163] وأنهم قالوا: لو أنا أخذنا من هذه الحيتان يوم تجيء ما يكفينا فيما سوى ذلك من الأيام. فوعظهم قوم مؤمنون ونهوهم. وقالت طائفة من المؤمنين: إن هؤلاء قوم قد هموا بأمر ليسوا بمنتهين دونه، والله مخزيهم ومعذبهم عذابا شديدا. قال المؤمنون بعضهم لبعض: {معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون} [الأعراف: 164] إن كان هلاك فلعلنا ننجو، وإما أن ينتهوا فيكون لنا أجرا. وقد كان الله جعل على بني إسرائيل يوما يعبدونه ويتفرغون له فيه، وهو يوم الاثنين، فتعدى الخبثاء من الاثنين إلى السبت، وقالوا: هو يوم السبت. فنهاهم موسى، فاختلفوا فيه، فجعل عليهم السبت، ونهاهم أن يعملوا فيه وأن يعتدوا فيه. وإن رجلا منهم ذهب ليحتطب، فأخذه موسى عليه السلام، فسأله: هل أمرك بهذا أحد؟ فلم يجد أحدا أمره، فرجمه أصحابه "
حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " قال بعض الذين نهوهم لبعض: {لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا} [الأعراف: 164] يقول: لم تعظونهم وقد وعظتموهم فلم يطيعوكم؟ فقال بعضهم: {معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون} [الأعراف: 164] "
حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا معاذ بن هانئ، قال: ثنا حماد، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس: " {وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا} [الأعراف: 164] قال: ما أدري أنجا الذين قالوا: {لم تعظون قوما الله مهلكهم} [الأعراف: 164] أم لا؟ قال: فلم أزل به حتى عرفته أنهم قد نجوا، فكساني حلة " حدثني المثنى، قال: ثنا حماد، عن داود، عن عكرمة، قال: قرأ ابن عباس هذه الآية، فذكر نحوه، إلا أنه قال في حديثه: فما زلت أبصره حتى عرف أنهم قد نجوا
حدثني سلام بن سالم الخزاعي، قال: ثنا يحيى بن سليم الطائفي، قال: ثنا ابن جريج، عن عكرمة، قال: دخلت على ابن عباس والمصحف في حجره وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك جعلني الله فداءك؟ قال: فقرأ: " {واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر} [الأعراف: 163] إلى قوله: {بما كانوا يفسقون} [الأعراف: 165] قال ابن عباس: لا أسمع الفرقة الثالثة ذكرت نخاف أن نكون مثلهم. فقلت: أما تسمع الله يقول: {فلما عتوا عن ما نهوا عنه} [الأعراف: 166] فسري عنه وكساني حلة "
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: ثني رجل، عن عكرمة، قال: جئت ابن عباس يوما وهو يبكي، وإذا المصحف في حجره، فأعظمت أن أدنو، ثم لم أزل على ذلك حتى تقدمت فجلست، فقلت: ما يبكيك يا ابن عباس جعلني الله فداءك؟ فقال: هؤلاء الورقات. قال: وإذا هو في سورة الأعراف. قال: " تعرف أيلة؟ قلت: نعم. قال: فإنه كان حي من يهود سيقت الحيتان إليهم يوم السبت ثم غاصت لا يقدرون عليها حتى يغوصوا بعد كد ومؤنة شديدة، كانت تأتيهم يوم السبت شرعا بيضا سمانا كأنها الماخض، تنتطح ظهورها لبطونها بأفنيتهم وأبنيتهم. فكانوا كذلك برهة من الدهر، ثم إن الشيطان أوحى إليهم، فقال: إنما نهيتم عن أكلها يوم السبت، فخذوها فيه وكلوها في غيره من الأيام، فقالت ذلك طائفة منهم، وقالت طائفة منهم: بل نهيتم عن أكلها وأخذها وصيدها في يوم السبت. وكانوا كذلك حتى جاءت الجمعة المقبلة، فعدت طائفة بأنفسها وأبنائها ونسائها، واعتزلت طائفة ذات اليمين وتنحت، واعتزلت طائفة ذات اليسار وسكتت، وقال الأيمنون: الله ينهاكم عن أن تعترضوا لعقوبة الله، وقال الأيسرون: {لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا} [الأعراف: 164] قال الأيمنون: {معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون} [الأعراف: 164] أي: ينتهون، فهو أحب إلينا أن لا يصابوا ولا يهلكوا، وإن لم ينتهوا فمعذرة إلى ربكم. فمضوا على الخطيئة، فقال الأيمنون: قد فعلتم يا أعداء PageEndV10P516 الله، والله لا نبايتكم الليلة في مدينتكم، والله ما نراكم تصبحون حتى يصيبكم الله بخسف أو قذف أو بعض ما عنده بالعذاب، فلما أصبحوا ضربوا عليهم الباب ونادوا، فلم يجابوا، فوضعوا سلما وأعلوا سور المدينة رجلا، فالتفت إليهم فقال: أي عباد الله، قردة والله تعاوى لها أذناب، قال: ففتحوا فدخلوا عليهم، فعرفت القردة أنسابها من الإنس، ولا تعرف الإنس أنسابها من القردة، فجعلت القرود تأتي نسيبها من الإنس، فتشم ثيابه وتبكي، فتقول لهم: ألم ننهكم عن كذا؟ فتقول برأسها نعم. ثم قرأ ابن عباس: {فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون} [الأعراف: 165] قال: فأرى اليهود الذين نهوا قد نجوا، ولا أرى الآخرين ذكروا، ونحن نرى أشياء ننكرها، فلا نقول فيها، قال: قلت: أي: جعلني الله فداك، ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه وخالفوهم وقالوا: {لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم} [الأعراف: 164] قال: فأمر بي فكسيت بردين غليظين "
حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر} [الأعراف: 163] ذكر لنا أنه إذا كان يوم السبت أقبلت الحيتان حتى تنتطح على سواحلهم وأفنيتهم لما بلغها من أمر الله في الماء، فإذا كان في غير يوم السبت بعدت في الماء حتى يطلبها طالبهم، فأتاهم الشيطان، PageEndV10P517 فقال: إنما حرم عليكم أكلها يوم السبت، فاصطادوها يوم السبت وكلوها فيما بعد. قوله: {وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون} [الأعراف: 164] فصار القوم ثلاثة أصناف: أما صنف، فأمسكوا عن حرمة الله ونهوا عن معصية الله. وأما صنف فأمسك عن حرمة الله هيبة لله. وأما صنف فانتهك الحرمة ووقع في الخطيئة "
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قول الله: " {حاضرة البحر} [الأعراف: 163] قال: حرمت عليهم الحيتان يوم السبت، وكانت تأتيهم يوم السبت شرعا، بلاء ابتلوا به، ولا تأتيهم في غيره إلا أن يطلبوها، بلاء أيضا بما كانوا يفسقون. فأخذوها يوم السبت استحلالا ومعصية، فقال الله لهم: {كونوا قردة خاسئين} [الأعراف: 166] إلا طائفة منهم لم يعتدوا ونهوهم، فقال بعضهم لبعض: {لم تعظون قوما} [الأعراف: 164] "
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم} [الأعراف: 164] حتى بلغ: {ولعلهم يتقون} [الأعراف: 164] لعلهم يتركون ما هم عليه. قال: كانوا قد بلوا بكف الحيتان عنهم، وكانوا يسبتون في يوم السبت، ولا يعملون فيه شيئا، فإذا كان يوم السبت أتتهم الحيتان شرعا، وإذا كان غير يوم السبت لم يأت حوت واحد. قال: وكانوا قوما قد قرنوا بحب الحيتان، ولقوا منه بلاء، فأخذ رجل منهم حوتا، فربط في ذنبه خيطا، ثم ربطه إلى خشفة، PageEndV10P518 ثم تركه في الماء، حتى إذا غربت الشمس من يوم الأحد اجتره بالخيط، ثم شواه. فوجد جار له ريح حوت، فقال: يا فلان إني أجد في بيتك ريح نون، فقال: لا. قال: فتطلع في تنوره فإذا هو فيه فأخبره حينئذ الخبر، فقال: إني أرى الله سيعذبك. قال: فلما لم يره عجل عذابا، فلما أتى السبت الآخر أخذ اثنين فربطهما، ثم اطلع جار له عليه. فلما رآه لم يعجل عذابا جعلوا يصيدونه، فاطلع أهل القرية عليهم، فنهاهم الذين ينهون عن المنكر، فكانوا فرقتين: فرقة تنهاهم وتكف، وفرقة تنهاهم ولا تكف، فقال الذين نهوا وكفوا للذين ينهون ولا يكفون: {لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا} [الأعراف: 164] فقال الآخرون: {معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون} [الأعراف: 164] فقال الله: {فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء} [الأعراف: 165] . إلى قوله: {بما كانوا يفسقون} [الأعراف: 165] قال الله: {فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين} [الأعراف: 166] وقال لهم أهل تلك القرية: عملتم بعمل سوء، من كان يريد يعتزل ويتطهر فليعتزل هؤلاء، قال: فاعتزل هؤلاء وهؤلاء في مدينتهم، وضربوا بينهم سورا، فجعلوا في ذلك السور أبوابا يخرج بعضهم إلى بعض. قال: فلما كان الليل طرقهم الله بعذابه، فأصبح أولئك المؤمنون لا يرون منهم أحدا، فدخلوا عليهم، فإذا هم قردة، الرجل وأزواجه وأولاده. فجعلوا يدخلون على الرجل يعرفونه، فيقولون: يا فلان ألم نحذرك سطوات الله؟ ألم نحذرك نقمات الله؟ ونحذرك ونحذرك؟ قال: فليس إلا بكاء. قال: وإنما عذب الله الذين ظلموا الذين أقاموا على ذلك. قال: وأما الذين نهوا فكلهم قد نهى، ولكن بعضهم أفضل من بعض. فقرأ: {أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون} [الأعراف: 165] "
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربي، عن داود، عن عكرمة، قال: قرأ ابن عباس هذه الآية: " {لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا} [الأعراف: 164] قال: لا أدري أنجا القوم أو هلكوا؟ فما زلت أبصره حتى عرف أنهم نجوا، وكساني حلة "
حدثني يونس، قال: أخبرني أشهب بن عبد العزيز، عن مالك، قال: زعم ابن رومان أن قوله: {تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم} [الأعراف: 163] قال: كانت تأتيهم يوم السبت، فإذا كان المساء ذهبت فلا يرى منها شيء إلى السبت، فاتخذ لذلك رجل منهم خيطا ووتدا، فربط حوتا منها في الماء يوم السبت، حتى إذا أمسوا ليلة الأحد أخذه فاشتواه، فوجد الناس ريحه، فأتوه فسألوه عن ذلك، فجحدهم، فلم يزالوا به حتى قال لهم: فإنه جلد حوت وجدناه، فلما كان السبت الآخر فعل مثل ذلك، ولا أدري لعله قال: ربط حوتين، فلما أمسى من ليلة الأحد أخذه فاشتواه، فوجدوا ريحه، فجاءوا فسألوه، فقال لهم: لو شئتم صنعتم كما أصنع، فقالوا له: وما صنعت؟ فأخبرهم، ففعلوا مثل ما فعل، حتى كثر ذلك. وكانت لهم مدينة لها ربض، فغلقوها عليهم، فأصابهم من المسخ ما أصابهم، فغدا إليهم جيرانهم ممن كان يكون حولهم، يطلبون منهم ما يطلب الناس، فوجدوا المدينة مغلقة عليهم، فنادوا فلم يجيبوهم، فتسوروا عليهم، فإذا هم قردة، فجعل القرد يدنو يتمسح بمن كان يعرف قبل ذلك ويدنو منه ويتمسح به " وقال آخرون: بل الفرقة التي قالت: {لم تعظون قوما الله مهلكهم} [الأعراف: 164] كانت من الفرقة الهالكة
#
