جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 10
ابن جرير الطبري • التفسير • ج10 ص630
تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
كما حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: " {فتعالى الله عما يشركون} [الأعراف: 190] يقول: هذه فصل من آية آدم خاصة في آلهة العرب " واختلفت القراء في قراءة قوله: {شركاء} [النساء: 12] فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة وبعض المكيين والكوفيين: (جعلا له شركا) بكسر الشين، بمعنى الشركة. وقرأه بعض المكيين وعامة قراء الكوفيين وبعض البصريين: {جعلا له شركاء} [الأعراف: 190] بضم الشين، بمعنى جمع شريك. وهذه القراءة أولى القراءتين بالصواب؛ لأن القراءة لو صحت بكسر PageEndV10P631 الشين لوجب أن يكون الكلام: فلما آتاهما صالحا جعلا لغيره فيه شركا؛ لأن آدم وحواء لم يدينا بأن ولدهما من عطية إبليس ثم يجعلا لله فيه شركا لتسميتهما إياه بعبد الله، وإنما كانا يدينان لا شك بأن ولدهما من رزق الله وعطيته، ثم سمياه عبد الحارث، فجعلا لإبليس فيه شركا بالاسم، فلو كانت قراءة من قرأ: (شركا) صحيحة وجب ما قلنا أن يكون الكلام: جعلا لغيره فيه شركا، وفي نزول وحي الله بقوله: {جعلا له} [الأعراف: 190] ما يوضح عن أن الصحيح من القراءة: {شركاء} [النساء: 12] بضم الشين على ما بينت قبل. فإن قال قائل: فإن آدم وحواء إنما سميا ابنهما عبد الحارث، والحارث واحد، وقوله: {شركاء} [النساء: 12] جماعة، فكيف وصفهما جل ثناؤه بأنهما جعلا له شركاء، وإنما أشركا واحدا؟ قيل: قد دللنا فيما مضى على أن العرب تخرج الخبر عن الواحد مخرج الخبر عن الجماعة إذا لم تقصد واحدا بعينه ولم تسمه، كقوله: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم} [آل عمران: 173] وإنما كان القائل ذلك واحدا، فأخرج الخبر مخرج الخبر عن الجماعة؛ إذ لم يقصد قصده، وذلك مستفيض في كلام العرب وأشعارها
#
