جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 12
ابن جرير الطبري • التفسير • ج12 ص481
تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
القول في تأويل قوله تعالى: {فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} يقول تعالى ذكره: فبشرنا سارة امرأة إبراهيم ثوابا منا لها على نكيرها وعجبها من فعل قوم لوط بإسحاق ولدا لها. {ومن وراء إسحاق يعقوب} يقول: ومن PageEndV12P479 خلف إسحاق يعقوب من ابنها إسحاق. والوراء في كلام العرب: ولد الولد، وكذلك تأوله أهل التأويل ذكر من قال ذلك:
حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا داود، عن عامر، قال: " {ومن وراء إسحاق يعقوب} قال: الوراء: ولد الولد "
حدثنا عمرو بن علي، ومحمد بن المثنى، قال كل واحد منهما: حدثني أبو اليسع إسماعيل بن حماد بن أبي المغيرة مولى الأشعري، قال: كنت إلى جنب جدي أبي المغيرة بن مهران في مسجد علي بن زيد، فمر بنا الحسن بن أبي الحسن، فقال: يا أبا المغيرة من هذا الفتى؟ قال: ابني من ورائي، فقال الحسن: « {فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} »
حدثنا عمرو بن علي، ومحمد بن المثنى، قالا: ثنا محمد بن أبي عدي، قال: ثنا داود بن أبي هند، عن الشعبي، في قوله: " {فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} قال: ولد الولد هو الوراء "
حدثني إسحاق بن شاهين، قال: ثنا خالد، عن داود، عن عامر، في قوله: " { PageEndV12P480 ومن وراء إسحاق يعقوب} قال: الوراء: ولد الولد " حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن داود، عن الشعبي، مثله
حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو عمرو الأزدي، قال: سمعت الشعبي يقول: " ولد الولد: هم الولد من الوراء "
حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: جاء رجل إلى ابن عباس، ومعه ابن ابنه، فقال: من هذا معك؟ قال: هذا ابن ابني، قال: هذا ولدك من الوراء. قال: فكأنه شق على ذلك الرجل، فقال ابن عباس: إن الله يقول: " {فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} فولد الولد: هم الوراء "
حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " لما ضحكت سارة وقالت: عجبا لأضيافنا هؤلاء، إنا نخدمهم بأنفسنا تكرمة لهم وهم لا يأكلون طعامنا قال لها جبريل: أبشري بولد اسمه إسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، فضربت وجهها عجبا، فذلك قوله: {فصكت وجهها} [الذاريات: 29] وقالت: {أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل PageEndV12P481 البيت إنه حميد مجيد} قالت سارة: ما آية ذلك؟ قال: فأخذ بيده عودا يابسا فلواه بين أصابعه، فاهتز أخضر، فقال إبراهيم: هو لله إذا ذبيحا "
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: " {فضحكت} [هود: 71] يعني سارة لما عرفت من أمر الله جل ثناؤه، ولما تعلم من قوم لوط فبشروها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب بابن وبابن ابن، فقالت وصكت وجهها يقال: ضربت على جبينها: {يا ويلتى أألد وأنا عجوز} [هود: 72] إلى قوله: {إنه حميد مجيد} [هود: 73] " واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء العراق والحجاز: «ومن وراء إسحاق يعقوب» برفع «يعقوب» ، ويعيد ابتداء الكلام بقوله: {ومن وراء إسحاق يعقوب} وذلك وإن كان خبر مبتدأ، ففيه دلالة على معنى التبشير. وقرأه بعض قراء أهل الكوفة والشام: {ومن وراء إسحاق يعقوب} نصبا؛ فأما الشامي منهما فذكر أنه كان ينحو بيعقوب نحو النصب بإضمار فعل آخر مشاكل للبشارة، كأنه قال: ووهبنا له من وراء إسحاق يعقوب، فلما لم يظهر «وهبنا» عمل فيه التبشير وعطف به على موضع «إسحاق» ، إذ PageEndV12P482 كان إسحاق، وإن كان مخفوضا فإنه بمعنى المنصوب بعمل «بشرنا» فيه، كما قال الشاعر: [البحر البسيط]
جئني بمثل بني بدر لقومهم ... أو مثل أسرة منظور بن سيار
أو عامر بن طفيل في مركبه ... أو حارثا يوم نادى القوم يا حار
وأما الكوفي منهما فإنه قرأه بتأويل الخفض فيما ذكر عنه، غير أنه نصبه لأنه لا يجرى. وقد أنكر ذلك أهل العلم بالعربية من أجل دخول الصفة بين حرف العطف والاسم، وقالوا: خطأ أن يقال: مررت بعمرو في الدار وفي الدار زيد، وأنت عاطف بزيد على عمرو، إلا بتكرير الباء وإعادتها، فإن لم تعد كان وجه الكلام عندهم الرفع وجاز النصب، فإن قدم الاسم على الصفة جاز حينئذ الخفض، وذلك إذا قلت: مررت بعمرو في الدار، وزيد في البيت. وقد أجاز الخفض، والصفة معترضة بين حرف العطف والاسم بعض نحويي البصرة، PageEndV12P483 وأولى القراءتين في ذلك بالصواب عندي قراءة من قرأه رفعا، لأن ذلك هو الكلام المعروف من كلام العرب، والذي لا يتناكره أهل العلم بالعربية، وما عليه قراءة الأمصار. فأما النصب فيه فإن له وجها، غير أني لا أحب القراءة به، لأن كتاب الله نزل بأفصح ألسن العرب، والذي هو أولى بالعلم بالذي نزل به من الفصاحة
#
