جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 12
ابن جرير الطبري • التفسير • ج12 ص523
تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
وأمر بتخليفها مع قومها. وقرأ ذلك بعض البصريين: «إلا امرأتك» رفعا، بمعنى: ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك، فإن لوطا قد أخرجها معه، وإنه نهي لوط ومن معه ممن أسرى معه أن يلتفت سوى زوجته، وأنها التفتت فهلكت لذلك. وقوله: {إنه مصيبها ما أصابهم} [هود: 81] يقول: إنه مصيب امرأتك ما أصاب قومك من العذاب. {إن موعدهم الصبح} [هود: 81] يقول: إن موعد قومك الهلاك الصبح. فاستبطأ ذلك منهم لوط، وقال لهم: بلى عجلوا لهم الهلاك فقالوا: {أليس الصبح بقريب} [هود: 81] أي عند الصبح نزول العذاب بهم. كما
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " {أليس الصبح بقريب} [هود: 81] أي إنما ينزل بهم من صبح ليلتك هذه، فامض لما تؤمر " وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال: " فمضت الرسل من عند إبراهيم إلى لوط، فلما أتوا لوطا، وكان من أمرهم ما ذكر الله، قال جبرئيل للوط: يا لوط {إنا مهلكو أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين} [العنكبوت: 31] فقال لهم لوط: أهلكوهم الساعة فقال له جبرئيل عليه السلام: {إن موعدهم الصبح أليس الصبح PageEndV12P516 بقريب} [هود: 81] فأنزلت على لوط: {أليس الصبح بقريب} [هود: 81] قال: فأمره أن يسري بأهله بقطع من الليل، ولا يلتفت منهم أحد إلا امرأته " قال: فسار، فلما كانت الساعة التي أهلكوا فيها أدخل جبرئيل جناحه فرفعها حتى سمع أهل السماء صياح الديكة، ونباح الكلاب، فجعل عاليها سافلها، وأمطر عليها حجارة من سجيل، قال: وسمعت امرأة لوط الهدة، فقالت: واقوماه فأدركها حجر فقتلها "
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن حفص بن حميد، عن شمر بن عطية، قال: " كان لوط أخذ على امرأته أن لا تذيع شيئا من سر أضيافه، قال: فلما دخل عليه جبرئيل ومن معه، رأتهم في صورة لم تر مثلها قط فانطلقت تسعى إلى قومها، فأتت النادي فقالت بيدها هكذا، وأقبلوا يهرعون مشيا بين الهرولة والجمز، فلما انتهوا إلى لوط قال لهم لوط ما قال الله في كتابه، قال جبرئيل: {يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك} [هود: 81] قال: فقال بيده، فطمس أعينهم، فجعلوا يطلبونهم، يلمسون الحيطان، PageEndV12P517 وهم لا يبصرون "
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن حذيفة، قال: " لما بصرت بهم، يعني بالرسل، عجوز السوء امرأته، انطلقت فأنذرتهم فقالت: إنه تضيف لوطا قوم ما رأيت قوما أحسن وجوها قال: ولا أعلمه إلا قالت: ولا أشد بياضا، وأطيب ريحا، قال: فأتوه يهرعون إليه، كما قال الله، فأصفق لوط الباب، قال: فجعلوا يعالجونه، قال: فاستأذن جبرئيل ربه في عقوبتهم، فأذن له، فصفقهم بجناحه، فتركهم عميانا يترددون في أخبث ليلة ما أتت عليهم قط، فأخبروه {إنا رسل ربك} [هود: 81] {فأسر بأهلك بقطع من الليل} [هود: 81] قال: ولقد ذكر لنا أنه كانت مع لوط حين خرج من القرية امرأته، ثم سمعت الصوت، فالتفتت وأرسل الله عليها حجرا فأهلكها. وقوله: {إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب} [هود: 81] فأراد نبي الله ما هو أعجل من ذلك، فقالوا أليس الصبح بقريب "
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: ثنا عمرو بن قيس الملائي، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، قال: " انطلقت امرأته، يعني امرأة لوط، حين رأتهم، يعني حين رأت الرسل إلى قومها، فقالت: إنه قد ضافه PageEndV12P518 الليلة قوم ما رأيت مثلهم قط أحسن وجوها، ولا أطيب ريحا فجاءوا يهرعون إليه، فبادرهم لوط إلى أن يزجهم على الباب، فقال: {هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين} [الحجر: 71] فقالوا: {أولم ننهك عن العالمين} [الحجر: 70] ، فدخلوا على الملائكة، فتناولتهم الملائكة، وطمست أعينهم، فقالوا: يا لوط جئتنا بقوم سحرة سحرونا كما أنت حتى تصبح قال: واحتمل جبرئيل قريات لوط الأربع، في كل قرية مائة ألف، فرفعهم على جناحه بين السماء والأرض، حتى سمع أهل السماء الدنيا أصوات ديكتهم، ثم قلبهم، فجعل الله عاليها سافلها "
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: قال حذيفة: " لما دخلوا عليه، ذهبت عجوزة عجوز السوء، فأتت قومها، فقالت: لقد تضيف لوطا الليلة قوم ما رأيت قوما قط أحسن وجوها منهم قال: فجاءوا يسرعون، فعاجلهم لوط، فقام ملك فلز الباب، يقول: فسده، واستأذن جبرئيل في عقوبتهم، فأذن له، فضربهم جبرئيل بجناحه، فتركهم عميانا، فباتوا بشر ليلة، ثم قالوا {إنا رسل ربك} [هود: 81] {فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك} [هود: 81] قال: فبلغنا أنها PageEndV12P519 سمعت صوتا، فالتفتت فأصابها حجر، وهي شاذة من القوم، معلوم مكانها " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن حذيفة بنحوه، إلا أنه قال: فعاجلهم لوط
حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " لما قال لوط: {لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد} [هود: 80] بسط حينئذ جبريل عليه السلام جناحيه، ففقأ أعينهم وخرجوا يدوس بعضهم في أدبار بعض عميانا يقولون: النجاء النجاء، فإن في بيت لوط أسحر قوم في الأرض فذلك قوله: {ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم} [القمر: 37] وقالوا للوط: {إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها} [هود: 81] واتبع أدبار أهلك يقول: سر بهم، {وامضوا حيث تؤمرون} [الحجر: 65] فأخرجهم الله إلى الشام، وقال لوط: أهلكوهم الساعة فقالوا: إنا لم نؤمر إلا بالصبح، أليس الصبح بقريب؟ فلما أن كان السحر خرج لوط وأهله معه امرأته، فذلك قوله: {إلا آل لوط نجيناهم بسحر} [القمر: 34] "
حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، عن عبد الصمد، أنه سمع وهب بن منبه، يقول: " كان أهل سدوم الذين فيهم لوط قوما قد استغنوا عن النساء بالرجال؛ فلما رأى الله ذلك بعث الملائكة ليعذبوهم، فأتوا إبراهيم، وكان من أمره وأمرهم ما ذكر الله في كتابه، فلما بشروا سارة بالولد، قاموا وقام معهم إبراهيم يمشي، قال: أخبروني لم بعثتم وما خطبكم؟ قالوا: إنا أرسلنا إلى أهل سدوم لندمرها، وإنهم قوم سوء قد استغنوا بالرجال عن النساء. قال إبراهيم: إن كان فيهم خمسون رجلا صالحا؟ قالوا: إذن لا نعذبهم. فجعل ينقم حتى قال أهل البيت، قال: فإن كان فيها بيت صالح؟ قال: فلوط وأهل بيته. قالوا: إن امرأته هواها معهم. فلما يئس إبراهيم انصرف، ومضوا إلى أهل سدوم، فدخلوا على لوط؛ فلما رأتهم امرأته أعجبها حسنهم وجمالهم، فأرسلت إلى أهل القرية: إنه قد نزل بنا قوم لم ير قوم قط أحسن منهم ولا أجمل فتسامعوا بذلك، فغشوا دار لوط من كل ناحية وتسوروا عليهم الجدران. فلقيهم لوط، فقال: يا قوم لا تفضحوني في ضيفي، وأنا أزوجكم بناتي فهن أطهر لكم فقالوا: لو كنا نريد بناتك لقد عرفنا مكانهن، فقال: {لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد} [هود: 80] ، فوجد عليه الرسل، قالوا: إن ركنك لشديد، وإنهم آتيهم عذاب PageEndV12P521 غير مردود فمسح أحدهم أعينهم بجناحيه، فطمس أبصارهم، فقالوا: سحرنا، انصرفوا بنا حتى نرجع إليه فكان من أمرهم ما قد قص الله تعالى في كتابه. فأدخل ميكائيل، وهو صاحب العذاب جناحه حتى بلغ أسفل الأرض، فقلبها، ونزلت حجارة من السماء، فتتبعت من لم يكن منهم في القرية حيث كانوا، فأهلكهم الله، ونجى لوطا وأهله، إلا امرأته "
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، وعن أبي بكر بن عبد الله وأبو سفيان، عن معمر، عن قتادة، عن حذيفة: " دخل حديث بعضهم في بعض، قال: كان إبراهيم عليه السلام يأتيهم فيقول: ويحكم أنهاكم عن الله أن تعرضوا لعقوبته، حتى إذا بلغ الكتاب أجله لمحل عذابهم، وسطوات الرب بهم، قال: فانتهت الملائكة إلى لوط، وهو يعمل في أرض له، فدعاهم إلى الضيافة، فقالوا: إنا مضيفوك الليلة. وكان الله تعالى عهد إلى جبريل عليه السلام أن لا تعذبهم حتى يشهد عليهم لوط ثلاث شهادات؛ فلما توجه بهم لوط إلى الضيافة، ذكر ما يعمل قومه من الشر، والدواهي العظام، فمشى معهم ساعة، ثم التفت إليهم، فقال: أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية؟ ما أعلم على وجه الأرض شرا منهم، أين أذهب بكم؟ إلى قومي، وهم شر خلق الله فالتفت جبرئيل إلى الملائكة فقال: احفظوا هذه PageEndV12P522 واحدة ثم مشى ساعة؛ فلما توسط القرية، وأشفق عليهم واستحيا منهم، قال: أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية؟ وما أعلم على وجه الأرض شرا منهم، إن قومي شر خلق الله فالتفت جبرئيل إلى الملائكة، فقال: احفظوا هاتان ثنتان فلما انتهى إلى باب الدار بكى حياء منهم، وشفقة عليهم، وقال: إن قومي شر خلق الله، أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية؟ ما أعلم على وجه الأرض أهل قرية شرا منهم فقال جبريل للملائكة: احفظوا هذه ثلاث قد حق العذاب. فلما دخلوا ذهبت عجوزة، عجوز السوء، فصعدت فلوحت بثوبها، فأتاها الفساق يهرعون سراعا، قالوا: ما عندك؟ قالت: ضيف لوط الليلة قوما ما رأيت أحسن وجوها منهم، ولا أطيب ريحا منهم فهرعوا مسارعين إلى الباب، فعاجلهم لوط على الباب، فدافعوه طويلا، هو داخل وهم خارج، يناشدهم الله ويقول: {هؤلاء بناتي هن أطهر لكم} [هود: 78] فقام الملك فلز الباب، يقول: فسده، واستأذن جبرئيل في عقوبتهم، فأذن الله له، فقام في الصورة التي يكون فيها في السماء، فنشر جناحه، ولجبرئيل جناحان، وعليه وشاح من در منظوم، وهو براق الثنايا أجلى الجبين، ورأسه حبك حبك، مثل المرجان وهو PageEndV12P523 اللؤلؤ، كأنه الثلج، وقدماه إلى الخضرة، فقال: {يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك} [هود: 81] امض يا لوط من الباب ودعني وإياهم فتنحى لوط عن الباب، فخرج عليهم فنشر جناحه، فضرب به وجوههم ضربة شدخ أعينهم فصاروا عميا لا يعرفون الطريق، ولا يهتدون إلى بيوتهم. ثم أمر لوطا فاحتمل بأهله من ليلته، قال: {فأسر بأهلك بقطع من الليل} [هود: 81] "
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: " لما قال لوط لقومه: {لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد} [هود: 80] والرسل تسمع ما يقول، وما يقال له ويرون ما هو فيه من كرب ذلك، فلما رأوا ما بلغه {قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك} [هود: 81] أي بشيء تكرهه، {فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب} [هود: 81] أي إنما ينزل بهم العذاب من صبح ليلتك هذه، فامض لما تؤمر "
#
