جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 12
ابن جرير الطبري • التفسير • ج12 ص82
تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الرجل إذا أسرى فنزل بعده قرآن تلاه نبي الله على أصحابه القاعدين معه، فإذا رجعت السرية قال لهم الذين أقاموا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله أنزل بعدكم على نبيه قرآنا فيقرئونهم ويفقهونهم في الدين. وهو قوله: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} [التوبة: 122] يقول: إذا أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} [التوبة: 122] يعني بذلك أنه لا ينبغي للمسلمين أن ينفروا جميعا ونبي الله قاعد، ولكن إذا قعد نبي الله تسرت السرايا وقعد معه معظم الناس " وقال آخرون: بل معنى ذلك: ما هؤلاء الذين نفروا بمؤمنين، ولو كانوا مؤمنين لم ينفر جميعهم؛ ولكنهم منافقون، ولو كانوا صادقين أنهم مؤمنون لنفر بعض ليتفقه في الدين ولينذر قومه إذا رجع إليهم. ذكر من قال ذلك
حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} [التوبة: 122] فإنها ليست في الجهاد، ولكن لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على مضر بالسنين، أجدبت بلادهم، وكانت القبيلة منهم تقبل بأسرها حتى يحلوا بالمدينة من الجهد، ويعتلوا بالإسلام وهم كاذبون، فضيقوا على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأجهدوهم. وأنزل الله يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم ليسوا مؤمنين، فرد رسول الله عشائرهم، وحذر قومهم أن يفعلوا فعلهم؛ فذلك قوله: {ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم PageEndV12P080 يحذرون} [التوبة: 122] " وقد روي عن ابن عباس في ذلك قول ثالث، وهو ما
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} [التوبة: 122] . . إلى قوله: {لعلهم يحذرون} [التوبة: 122] قال: كان ينطلق من كل حي من العرب عصابة فيأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسألونه عما يريدونه من دينهم ويتفقهون في دينهم، ويقولون لنبي الله: ما تأمرنا أن نفعله وأخبرنا ما نقول لعشائرنا إذا انطلقنا إليهم قال فيأمرهم نبي الله بطاعة الله وطاعة رسوله، ويبعثهم إلى قومهم بالصلاة والزكاة. وكانوا إذا أتوا قومهم نادوا: إن من أسلم فهو منا وينذرونهم، حتى إن الرجل ليعرف أباه وأمه. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرهم وينذرون قومهم، فإذا رجعوا إليهم يدعونهم إلى الإسلام وينذرونهم النار ويبشرونهم بالجنة " وقال آخرون: إنما هذا تكذيب من الله لمنافقين أزروا بأعراب المسلمين وعزروهم في تخلفهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم ممن قد عذره الله بالتخلف. ذكر من قال ذلك
حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن سليمان الأحول، عن عكرمة، قال: لما نزلت هذه الآية: " {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من PageEndV12P081 الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله} [التوبة: 120] . . إلى: {إن الله لا يضيع أجر المحسنين} [التوبة: 120] قال ناس من المنافقين: هلك من تخلف فنزلت: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} [التوبة: 122] . . إلى: {لعلهم يحذرون} [التوبة: 122] ، ونزلت: {والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة} [الشورى: 16] " الآية
حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، قال: ثنا سليمان الأحول، عن عكرمة، قال: سمعته يقول: " لما نزلت: {إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما} [التوبة: 39] و {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب} [التوبة: 120] . . . إلى قوله: {ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون} [التوبة: 121] قال المنافقون: هلك أصحاب البدو الذين تخلفوا عن محمد ولم ينفروا معه وقد كان ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا إلى البدو إلى قومهم يفقهونهم، فأنزل الله: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} [التوبة: 122] . . إلى قوله: {لعلهم يحذرون} [التوبة: 122] ، ونزلت: {والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له} [الشورى: 16] . . " الآية واختلف الذين قالوا عنى بذلك النهي عن نفر الجميع في السرية وترك النبي عليه الصلاة والسلام وحده في المعنيين بقوله: {ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم} [التوبة: 122] فقال بعضهم: عنى به الجماعة المتخلفة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقالوا: معنى الكلام: فهلا نفر من كل فرقة طائفة للجهاد ليتفقه المتخلفون في الدين ولينذروا قومهم الذين نفروا في السرية إذا رجعوا إليهم من غزوهم PageEndV12P082 وذلك قول قتادة، وقد ذكرنا رواية ذلك عنه من رواية سعيد بن أبي عروبة. وقد
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال. ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، " {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين} [التوبة: 122] . . الآية، قال: ليتفقه الذين قعدوا مع نبي الله. {ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم} [التوبة: 122] يقول: لينذروا الذين خرجوا إذا رجعوا إليهم "
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن، وقتادة، " {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} [التوبة: 122] قالا. كافة، ويدعوا النبي صلى الله عليه وسلم " وقال آخرون منهم: بل معنى ذلك: لتتفقه الطائفة النافرة دون المتخلفة وتحذر النافرة المتخلفة. ذكر من قال ذلك
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن: " {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين} [التوبة: 122] قال: ليتفقه الذين خرجوا بما يريهم الله من الظهور على المشركين والنصرة، وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم " PageEndV12P083 وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب أن يقال: تأويله. وما كان المؤمنون لينفروا جميعا ويتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده، وأن الله نهى بهذه الآية المؤمنين به أن يخرجوا في غزو وجهاد وغير ذلك من أمورهم ويدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحيدا، ولكن عليهم إذا سرى رسول الله سرية أن ينفر معها من كل قبيلة من قبائل العرب وهي الفرقة. {طائفة} [التوبة: 122] وذلك من الواحد إلى ما بلغ من العدد، كما قال الله جل ثناؤه: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} [التوبة: 122] يقول: فهلا نفر من كل فرقة منهم طائفة وهذا إلى هاهنا على أحد الأقوال التي رويت عن ابن عباس، وهو قول الضحاك وقتادة، وإنما قلنا هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب، لأن الله تعالى ذكره حظر التخلف خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المؤمنين به من أهل المدينة مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن الأعراب لغير عذر يعذرون به إذا خرج رسول الله لغزو وجهاد عدو قبل هذه الآية بقوله: {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله} [التوبة: 120] ، ثم عقب ذلك جل ثناؤه بقوله: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} [التوبة: 122] فكان معلوما بذلك إذ كان قد عرفهم في الآية التي قبلها اللازم لهم من فرض النفر والمباح لهم من تركه في حال غزو رسول الله صلى الله عليه وسلم وشخوصه عن مدينته لجهاد عدو، وأعلمهم أنه لا يسعهم التخلف خلافه إلا لعذر بعد استنهاضه بعضهم وتخليفه بعضهم أن يكون عقيب تعريفهم ذلك تعريفهم الواجب عليهم عند مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمدينته وإشخاص غيره عنها، كما كان الابتداء بتعريفهم الواجب عند شخوصه وتخليفه بعضهم، PageEndV12P084 وأما قوله: {ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم} [التوبة: 122] فإن أولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: ليتفقه الطائفة النافرة بما تعاين من نصر الله أهل دينه وأصحاب رسوله على أهل عداوته والكفر به، فيفقه بذلك من معاينته حقيقة علم أمر الإسلام وظهوره على الأديان من لم يكن فقهه، ولينذروا قومهم فيحذروهم أن ينزل بهم من بأس الله مثل الذي نزل بمن شاهدوا وعاينوا ممن ظفر بهم المسلمون من أهل الشرك إذا هم رجعوا إليهم من غزوهم. {لعلهم يحذرون} [التوبة: 122] يقول: لعل قومهم إذا هم حذروهم ما عاينوا من ذلك يحذرون، فيؤمنون بالله ورسوله، حذرا أن ينزل بهم ما نزل بالذين أخبروا خبرهم وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصواب، وهو قول الحسن البصري الذي رويناه عنه؛ لأن النفر قد بينا فيما مضى أنه إذا كان مطلقا بغير صلة بشيء أن الأغلب من استعمال العرب إياه في الجهاد والغزو فإذا كان ذلك هو الأغلب من المعاني فيه، وكان جل ثناؤه قال: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين} [التوبة: 122] علم أن قوله: «ليتفقهوا» إنما هو شرط للنفر لا لغيره، إذ كان يليه دون غيره من الكلام. فإن قال قائل: وما تنكر أن يكون معناه: ليتفقه المتخلفون في الدين؟ قيل: ننكر ذلك لاستحالته؛ وذلك أن نفر الطائفة النافرة لو كان سببا لتفقه المتخلفة، وجب أن يكون مقامها معهم سببا لجهلهم وترك التفقه؛ وقد علمنا أن مقامهم لو أقاموا ولم ينفروا لم يكن سببا لمنعهم من التفقه. PageEndV12P085 وبعد، فإنه قال جل ثناؤه: {ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم} [التوبة: 122] عطفا به على قوله: {ليتفقهوا في الدين} [التوبة: 122] ولا شك أن الطائفة النافرة لم ينفروا إلا والإنذار قد تقدم من الله إليها، وللإنذار وخوف الوعيد نفرت، فما وجه إنذار الطائفة المتخلفة الطائفة النافرة وقد تساوتا في المعرفة بإنذار الله إياهما؟ ولو كانت إحداهما جائز أن توصف بإنذار الأخرى، لكان أحقهما بأن يوصف به الطائفة النافرة، لأنها قد عاينت من قدرة الله ونصرة المؤمنين على أهل الكفر به ما لم تعاين المقيمة، ولكن ذلك إن شاء الله كما قلنا من أنها تنذر من حيها وقبيلتها ومن لم يؤمن بالله إذا رجعت إليه أن ينزل به ما أنزل بمن عاينته ممن أظفر الله به المؤمنين من نظرائه من أهل الشرك
#
