جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 16
ابن جرير الطبري • التفسير • ج16 ص360
تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
فحدثنا ابن حميد قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن ابن دينار، عن الحسن أنه كان يقول: «مكث أيوب في ذلك البلاء سبع سنين، وستة أشهر ملقى على رماد مكنسة في جانب القرية» قال وهب بن منبه: " ولم يبق من أهله إلا امرأة واحدة تقوم عليه، وتكسب له، ولا يقدر عدو الله منه على قليل ولا كثير مما يريد. PageEndV16P354 فلما طال البلاء عليه وعليها، وسئمها الناس، وكانت تكسب عليه ما تطعمه وتسقيه، قال وهب بن منبه: فحدثت أنها التمست له يوما من الأيام تطعمه، فما وجدت شيئا، حتى جزت قرنا من رأسها فباعته برغيف، فأتته به، فعشته إياه، فلبث في ذلك البلاء تلك السنين، حتى إن كان المار ليمر فيقول: لو كان لهذا عند الله خير لأراحه مما هو فيه
حدثنا ابن حميد قال: ثنا سلمة قال: فحدثني محمد بن إسحاق قال: وكان وهب بن منبه يقول: " لبث في ذلك البلاء ثلاث سنين، لم يزد يوما واحدا، فلما غلبه أيوب فلم يستطع منه شيئا، اعترض لامرأته في هيئة ليست كهيئة بني آدم في العظم والجسم والطول، على مركب ليس من مراكب الناس، له عظم وبهاء وجمال ليس لها، فقال لها: أنت صاحبة أيوب هذا الرجل المبتلى؟ قالت نعم. قال: هل تعرفينني؟ قالت لا. قال: فأنا إله الأرض، وأنا الذي صنعت بصاحبك ما صنعت، وذلك أنه عبد إله السماء، وتركني فأغضبني، ولو سجد لي سجدة واحدة رددت عليه وعليك كل ما كان لكما من مال وولد، فإنه عندي ثم أراها إياهم فيما ترى ببطن الوادي الذي لقيها فيه. قال: وقد سمعت أنه إنما قال: لو أن صاحبك أكل طعاما ولم يسم عليه لعوفي مما به من البلاء، والله أعلم. وأراد عدو الله أن يأتيه من قبلها. فرجعت إلى أيوب، فأخبرته بما قال لها، وما أراها، قال: أو قد أتاك عدو الله ليفتنك عن دينك؟ ثم أقسم إن الله عافاه ليضربها مائة ضربة، فلما طال عليه البلاء، جاءه أولئك النفر الذين كانوا معه قد آمنوا به وصدقوه، PageEndV16P355 معهم فتى حديث السن، قد كان آمن به وصدقه، فجلسوا إلى أيوب، ونظروا إلى ما به من البلاء، فأعظموا ذلك، وفظعوا به، وبلغ من أيوب صلوات الله عليه مجهوده، وذلك حين أراد الله أن يفرج عنه ما به، فلما رأى أيوب ما أعظموا ما أصابه قال: أي رب، لأي شيء خلقتني، ولو كنت إذ قضيت علي البلاء تركتني فلم تخلقني؟ ليتني كنت دما ألقتني أمي. ثم ذكر نحو حديث ابن عسكر، عن إسماعيل بن عبد الكريم، إلى: وكابدوا الليل، واعتزلوا الفراش، وانتظروا الأسحار، ثم زاد فيه: أولئك الآمنون الذي لا يخافون، ولا يهتمون، ولا يحزنون، فأين عاقبة أمرك يا أيوب من عواقبهم؟ قال فتى حضرهم، وسمع قولهم , ولم يفطنوا له، ولم يأبهوا لمجلسه، وإنما قيضه الله لهم لما كان من جورهم في المنطق، وشططهم، فأراد الله أن يصغر به إليهم أنفسهم، وأن يسفه بصغره لهم أحلامهم، فلما تكلم تمادى في الكلام، فلم يزدد إلا حكما. وكان القوم من شأنهم الاستماع والخشوع إذا وعظوا، أو ذكروا، فقال: إنكم تكلمتم قبلي أيها الكهول، وكنتم أحق بالكلام، وأولى به مني لحق أسنانكم، ولأنكم جربتم قبلي، ورأيتم وعلمتم ما لم أعلم، وعرفتم ما لم أعرف، ومع ذلك قد تركتم من القول أحسن من الذي قلتم، ومن الرأي أصوب من الذي رأيتم، ومن الأمر أجمل من الذي أتيتم، ومن الموعظة أحكم من الذي وصفتم، وقد كان لأيوب عليكم من الحق والذمام أفضل من الذي وصفتم، هل تدرون أيها الكهول حق من انتقصتم , وحرمة من انتهكتم، ومن الرجل الذي عبتم واتهمتم؟ ولم تعلموا أيها الكهول أن أيوب نبي الله، PageEndV16P356 وخيرته وصفوته من أهل الأرض يومكم هذا، اختاره الله لوحيه، واصطفاه لنفسه، وائتمنه على نبوته، ثم لم تعلموا، ولم يطلعكم الله على أنه سخط شيئا من أمره مذ أتاه ما آتاه إلى يومكم هذا، ولا على أنه نزع منه شيئا من الكرامة التي أكرمه بها مذ آتاه ما آتاه إلى يومكم هذا، ولا أن أيوب غير الحق في طول ما صحبتموه إلى يومكم هذا، فإن كان البلاء هو الذي أزرى به عندكم ووضعه في أنفسكم، فقد علمتم أن الله يبتلي النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ثم ليس بلاؤه لأولئك بدليل سخطه عليهم، ولا لهوانه لهم، ولكنها كرامة، وخيرة لهم، ولو كان أيوب ليس من الله بهذه المنزلة , ولا في النبوة، ولا في الأثرة، ولا في الفضيلة، ولا في الكرامة، إلا أنه أخ أحببتموه على وجه الصحابة، لكان لا يجمل بالحكيم أن يعذل أخاه عند البلاء، ولا يعيره بالمصيبة بما لا يعلم، وهو مكروب حزين، ولكن يرحمه ويبكي معه، ويستغفر له، ويحزن لحزنه، ويدله على مراشد أمره، وليس بحكيم , ولا رشيد من جهل هذا، فالله الله أيها الكهول في أنفسكم قال: ثم أقبل على أيوب: صلى الله عليه وسلم: فقال، وقد كان في عظمة الله وجلاله وذكر الموت: ما يقطع لسانك، ويكسر قلبك، وينسيك حججك؟ ألم تعلم يا أيوب أن لله عبادا أسكتتهم خشيته من غير عي، ولا بكم، وإنهم لهم الفصحاء النطقاء، النبلاء , الألباء، العالمون بالله وبآياته؟ ولكنهم إذا ذكروا عظمة الله انقطعت ألسنتهم، واقشعرت جلودهم، وانكسرت قلوبهم، وطاشت عقولهم إعظاما لله , وإعزازا، وإجلالا، فإذا استفاقوا من ذلك استبقوا إلى الله بالأعمال PageEndV16P357 الزاكية، يعدون أنفسهم مع الظالمين والخاطئين، وإنهم لأنزاه برآء، ومع المقصرين والمفرطين، وإنهم لأكياس أقوياء، ولكنهم لا يستكثرون لله الكثير، ولا يرضون لله بالقليل، ولا يدلون عليه بالأعمال، فهم مروعون مفزعون مغتمون خاشعون وجلون مستكينون معترفون متى ما رأيتهم يا أيوب قال أيوب: إن الله يزرع الحكمة بالرحمة في قلب الصغير والكبير، فمتى نبتت في القلب يظهرها الله على اللسان، وليست تكون الحكمة من قبل السن ولا الشبيبة، ولا طول التجربة، وإذا جعل الله العبد حكيما في الصيام لم يسقط منزله عند الحكماء وهم يرون عليه من الله نور الكرامة، ولكنكم قد أعجبتكم أنفسكم , وظننتم أنكم عوفيتم بإحسانكم، فهنالك بغيتم وتعززتم، ولو نظرتم فيما بينكم وبين ربكم ثم صدقتم أنفسكم لوجدتم لكم عيوبا سترها الله بالعافية التي ألبسكم، ولكني قد أصبحت اليوم وليس لي رأي، ولا كلام معكم، قد كنت فيما خلا مسموعا كلامي، معروفا حقي، منتصفا من خصمي، قاهرا لمن هو اليوم يقهرني، مهيبا مكاني، والرجال مع ذلك ينصتون لي، ويوقروني، فأصبحت اليوم قد انقطع رجائي، ورفع حذري، وملني أهلي، وعقني أرحامي، وتنكرت لي معارفي، ورغب عني صديقي، وقطعني أصحابي، وكفرني أهل بيتي، وجحدت حقوقي , ونسيت صنائعي، أصرخ فلا يصرخونني، وأعتذر فلا يعذرونني، وإن قضاءه هو الذي أذلني، وأقمأني، وأخسأني، وإن سلطانه هو الذي أسقمني , [ص : 358] وأنحل جسمي. ولو أن ربي نزع الهيبة التي في صدري، وأطلق لساني حتى أتكلم بملء فمي، ثم كان ينبغي للعبد يحاج عن نفسه، لرجوت أن يعافيني عند ذلك مما بي، ولكنه ألقاني، وتعالى عني، فهو يراني ولا أراه، ويسمعني ولا أسمعه , لا نظر إلي فرحمني، ولا دنا مني ولا أدناني فأدلي بعذري، وأتكلم ببراءتي , وأخاصم عن نفسي لما قال ذلك أيوب وأصحابه عنده، أظله غمام حتى ظن أصحابه أنه عذاب، ثم نودي منه، ثم قيل له: يا أيوب، إن الله يقول: ها أنا ذا قد دنوت منك، ولم أزل منك قريبا، فقم فأدل بعذرك الذي زعمت، وتكلم ببراءتك , وخاصم عن نفسك، واشدد إزارك ثم ذكر نحو حديث ابن عسكر، عن إسماعيل، إلى آخره، وزاد فيه: ورحمتي سبقت غضبي، فاركض برجلك، هذا مغتسل بارد، وشراب فيه شفاؤك، وقد وهبت لك أهلك، ومثلهم معهم، ومالك ومثله معه وزعموا: ومثله معه لتكون لمن خلفك آية، ولتكون عبرة لأهل البلاء، وعزاء للصابرين فركض برجله، فانفجرت له عين، فدخل فيها فاغتسل، فأذهب الله عنه كل ما كان به من البلاء. ثم خرج فجلس، وأقبلت امرأته تلتمسه في مضجعه، فلم تجده، فقامت كالوالهة متلددة، ثم قالت: يا عبد الله، هل لك علم بالرجل المبتلى الذي كان ههنا؟ قال: لا، ثم تبسم، فعرفته بمضحكه، فاعتنقته
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه، قال: فحدثت عبد الله بن عباس، حديثه، واعتناقها إياه، فقال عبد الله: «فوالذي نفس عبد الله بيده، ما فارقته من عناقه حتى مر بها PageEndV16P359 كل مال لهما وولد»
حدثنا ابن حميد قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: وقد سمعت بعض من يذكر الحديث عنه " أنه دعاها حين سألت عنه، فقال لها: وهل تعرفينه إذا رأيته؟ قالت: نعم، ومالي لا أعرفه؟ فتبسم، ثم قال: ها أنا هو، وقد فرج الله عني ما كنت فيه فعند ذلك اعتنقته قال وهب: فأوحى الله في قسمه ليضربها في الذي كلمته، أن {وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث} [ص: 44] أي قد برت يمينك. يقول الله تعالى: {إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب} [ص: 44]، يقول الله: {ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب} [ص: 43] "
حدثنا يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا فضيل بن عياض، عن هشام، عن الحسن، قال: " لقد مكث أيوب مطروحا على كناسة سبع سنين وأشهرا، ما يسأل الله أن يكشف ما به. قال: وما على وجه الأرض خلق أكرم على الله من أيوب. فيزعمون أن بعض الناس قال: لو كان لرب هذا فيه حاجة ما صنع به هذا فعند ذلك دعا
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن يونس، عن الحسن، قال: " بقي أيوب على كناسة لبني إسرائيل سبع سنين وأشهرا تختلف عليه الدواب
حدثني محمد بن إسحاق، قال: ثنا يحيى بن معين، قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن وهب بن منبه، قال: " لم يكن بأيوب أكلة، إنما كان يخرج به مثل ثدي النساء ثم ينقفه
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا مخلد بن حسين، عن هشام، عن الحسن، وحجاج، عن مبارك، عن الحسن: زاد أحدهما على الآخر قال: " إن أيوب آتاه الله مالا وأوسع عليه، وله من النساء والبقر والغنم والإبل. وإن عدو الله إبليس قيل له: هل تقدر أن تفتن أيوب؟ قال: رب إن أيوب أصبح في دنيا من مال وولد، ولا يستطيع أن لا يشكرك، ولكن سلطني على ماله، وولده، فسترى كيف يطيعني ويعصيك قال: فسلطه على ماله وولده. قال: فكان يأتي بالماشية من ماله من الغنم فيحرقها بالنيران، ثم يأتي أيوب وهو يصلي متشبها براعي الغنم، فيقول: يا أيوب تصلي لربك ما ترك الله لك من ماشيتك شيئا من الغنم إلا أحرقها بالنيران، وكنت ناحية، فجئت لأخبرك. قال: فيقول أيوب: اللهم أنت أعطيت وأنت أخذت، مهما تبقي نفسي أحمدك على حسن بلائك، فلا يقدر منه على شيء مما يريد ثم يأتي ماشيته من البقر فيحرقها بالنيران، ثم يأتي أيوب فيقول له ذلك، ويرد عليه أيوب مثل ذلك. قال: وكذلك فعل بالإبل حتى ما ترك له من ماشية، حتى هدم البيت على ولده، فقال: يا أيوب أرسل الله على ولدك من هدم عليهم البيوت حتى هلكوا فيقول أيوب مثل ذلك. قال: رب هذا حين أحسنت إلي الإحسان كله، قد كنت قبل اليوم يشغلني حب المال بالنهار، ويشغلني حب الولد بالليل شفقة عليهم، فالآن
#
