طريق الهجرتين وباب السعادتين
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص282
دار السلفية، القاهرة، مصر
والكلام على ما ذكره من وجوه:
أحدها: أن الخوف أحد أركان الإيمان والإحسان الثلاثة التى عليها مدار مقامات السالكين جميعها وهى: الخوف، والرجاء، والمحبة وقد ذكره سبحانه
فى قوله: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه} [الإسراء: 56- 57] ، فجمع بين المقامات الثلاثة، فإن ابتغاء الوسيلة إليه هو التقرب إليه بحبه وفعل ما يحبه. ثم يقول: (ويرجون رحمته ويخافون عذابه) ، فذكر الحب والخوف والرجاء، والمعنى أن الذين تدعونهم من دون الله من الملائكة والأنبياء والصالحين يتقربون إلى ربهم ويخافونه ويرجونه، فهم عبيده كما أنكم عبيده، فلماذا تعبدونهم من دونه وأنتم وهم عبيد له؟ وقد أمر سبحانه بالخوف منه فى قوله: {فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} [آل عمران: 175] ، فجعل الخوف منه شرطا فى تحقق الإيمان، وإن كان الشرط داخلا فى الصيغة على الإيمان فهو المشروط فى المعنى، والخوف شرط فى حصوله وتحققه، وذلك لأن الإيمان سبب الخوف الحاصل عليه، وحصول المسبب شرط فى تحقق السبب كما أن حصول السبب موجب لحصول مسببه، فانتفاء الإيمان عند انتفاء الخوف انتفاء للمشروط عند انتفاء شرطه، وانتفاء الخوف عند انتفاء الإيمان انتفاء للمعلول عند انتفاء علته. فتدبره.
والمعنى: إن كنتم مؤمنين فخافونى. والجزاء محذوف مدلول عليه بالأول عند سيبويه وأصحابه، أو هو المتقدم نفسه، وهو جزاء وإن تقدم كما هو مذهب الكوفيين.
وعلى التقديرين فأداة الشرط قد دخلت على السبب المقتضى للخوف وهو الإيمان، وكل منهما مستلزم للآخر لكن الاستلزام مختلف، وكل منهما منتف عند انتفاء الآخر، لكن جهة الانتفاء مختلفة كما تقدم.
والمقصود: أن الخوف من لوازم الإيمان وموجباته فلا يختلف عنه. وقال تعالى: {فلا تخشوا الناس واخشون} [المائدة: 44] .
وقد أثنى سبحانه على أقرب عباده إليه بالخوف منه، فقال عن أنبيائه بعد أن أثنى عليهم ومدحهم: {إنهم كانوا يسارعون فى الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا} [الأنبياء: 90] ، فالرغب:
#