شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

طريق الهجرتين وباب السعادتين

ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص283

دار السلفية، القاهرة، مصر

الرجاء والرغبة، والرهب: الخوف والخشية، وقال عن ملائكته الذين قد أمنهم من عذابه: {يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون} [النحل: 50] .

وفى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنى أعلمكم بالله وأشدكم له خشية"، وفى لفظ آخر: "إنى أخوفكم لله وأعلمكم بما أتقى"، وكان صلى الله عليه وسلم يصلى ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء، وقد قال تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر: 28] ، فكلما كان العبد بالله أعلم كان له أخوف.

قال ابن مسعود: وكفى بخشية الله علما. ونقصان الخوف من الله إنما هو لنقصان معرفة العبد به، فأعرف الناس أخشاهم لله، ومن عرف الله اشتد حياؤه منه وخوفه له وحبه له، وكلما ازداد معرفة ازداد حياء وخوفا وحبا، فالخوف من أجل منازل الطريق، وخوف الخاصة أعظم من خوف العامة، وهم إليه أحوج، وهو بهم أليق، ولهم ألزم. فإن العبد إما أن يكون مستقيما أو مائلا عن الاستقامة فإن كان مائلا عن الاستقامة فخوفه من العقوبة على ميله، ولا يصح الإيمان إلا بهذا الخوف

وهو ينشأ من ثلاثة أمور:

أحدها: معرفته بالجناية وقبحها.

والثانى: تصديق الوعيد وأن الله رتب على المعصية عقوبتها.

والثالث: أنه لا يعلم لعله يمنع من التوبة ويحال بينه وبينها إذا ارتكب الذنب. فبهذه الأمور الثلاثة يتم له الخوف، وبحسب قوتها وضعفها تكون قوة الخوف وضعفه، فإن الحامل على الذنب إما أن يكون عدم علمه بقبحه، وإما عدم علمه بسوء عاقبته، وإما أن يجتمع له الأمران لكن يحمله عليه اتكاله على التوبة، وهو الغالب من ذنوب أهل الإيمان، فإذا علم قبح الذنب وعلم سوء مغبته وخاف أن لا يفتح له باب التوبة بل يمنعها ويحال بينه وبينها اشتد خوفه. هذا قبل الذنب، فإذا عمله كان خوفه أشد.

وبالجملة فمن استقر فى قلبه ذكر الدار الآخرة وجزائها، وذكر المعصية والتوعد عليها، وعدم الوثوق بإتيانه بالتوبة النصوح هاج فى قلبه من الخوف ما لا يملكه ولا يفارقه حتى ينجو. وأما إن كان مستقيما مع الله فخوفه يكون مع جريان الأنفاس، لعلمه بأن الله مقلب القلوب، وما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن عز وجل، فإن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه، كما ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم، وكانت أكثر يمينه: "لا ومقلب القلوب، لا ومقلب القلوب"، وقال بعض السلف: القلب أشد تقلبا من القدر إذا استجمعت غليانا. وقال

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية