شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

طريق الهجرتين وباب السعادتين

ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص8

دار السلفية، القاهرة، مصر

فصل: فى أن الله هو الغنى المطلق والخلق فقراء محتاجون إليه

قال الله سبحانه: {يأيها الناس أنتم الفقرآء إلى الله والله هو الغني الحميد} [فاطر: 15] ، بين سبحانه فى هذه الآية أن فقر العباد إليه أمر ذاتى لهم لا ينفك عنهم، كما أن كونه غنيا حميدا [أمر] ذاتى له، فغناه وحمده ثابت له لذاته لا لأمر أوجبه، وفقر من سواه إليه ثابت لذاته لا لأمر أوجبه، فلا يعلل هذا الفقر بحدوث ولا إمكان، بل هو ذاتى للفقير: فحاجة العبد إلى ربه لذاته لا لعلة أوجبت تلك الحاجة، كما أن غنى الرب سبحانه لذاته لا لأمر أوجب غناه، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

والفقر لى وصف ذات لازم أبدا ... كما الغنى أبدا وصف له ذاتي

فالخلق فقير محتاج إلى ربه بالذات لا بعلة، وكل ما يذكر ويقرر من أسباب الفقر والحاجة فهى أدلة على الفقر والحاجة لا علل لذلك، إذ ما بالذات لا يعلل، فالفقير بذاته محتاج إلى الغنى بذاته، فما يذكر من إمكان وحدوث واحتياج فهى أدلة على الفقر لا أسباب له، ولهذا كان الصواب فى مسألة علة احتياج العالم إلى الرب سبحانه غير القولين اللذين يذكرهما الفلاسفة والمتكلمون، فإن الفلاسفة قالوا: علة الحاجة الإمكان، والمتكلمون قالوا: علة الحاجة الحدوث، والصواب أن الإمكان والحدوث متلازمان، وكلاهما دليل الحاجة والافتقار، وفقر العالم إلى الله [عز وجل] أمر ذاتى لا يعلل، فهو فقير بذاته إلى ربه الغنى بذاته، ثم يستدل بإمكانه وحدوثه وغير ذلك من الأدلة على هذا الفقر. والمقصود أنه سبحانه أخبر عن حقيقة العباد وذواتهم بأنها فقيرة إليه [عز وجل] ، كما أخبر عن ذاته المقدسة وحقيقته أنه غنى حميد، فالفقر المطلق من كل وجه ثابت لذواتهم وحقائقهم من حيث هى، والغنى المطلق من كل وجه ثابت

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية