شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

طريق الهجرتين وباب السعادتين

ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص9

دار السلفية، القاهرة، مصر

لذاته تعالى وحقيقته من حيث هى، فيستحيل أن يكون العبد إلا فقيرا، ويستحيل أن يكون الرب سبحانه إلا غنيا، كما أنه يستحيل أن يكون العبد إلا عبدا والرب إلا ربا.

إذا عرف هذا فالفقر فقران: فقر اضطرارى، وهو فقر عام لا خروج لبر ولا فاجر عنه، وهذا لا يقتضى مدحا ولا ذما ولا ثوابا ولا عقابا، بل هو بمنزلة كون المخلوق مخلوقا ومصنوعا. والفقر الثانى فقر اختيارى هو نتيجة علمين شريفين: أحدهما معرفة العبد بربه، والثانى معرفته بنفسه. فمتى حصلت له هاتان المعرفتان أنتجتا [له] فقرا هو عين غناه وعنوان فلاحه وسعادته، وتفاوت الناس فى هذا الفقر بحسب تفاوتهم فى هاتين المعرفتين، فمن عرف ربه بالغنى المطلق عرف نفسه بالفقر المطلق، ومن عرف ربه بالقدرة التامة عرف نفسه بالعجز التام، ومن عرف ربه بالعز التام عرف نفسه بالمسكنة التامة، ومن عرف ربه بالعلم التام والحكمة عرف نفسه بالجهل، فالله سبحانه أخرج العبد من بطن أمه لا يعلم شيئا ولا يقدر على شيء، ولا يملك شيئا ولا يقدر على عطاء ولا منع ولا ضر ولا نفع ولا شيء البتة، فكان فقره فى تلك الحال إلى ما به كما له أمرا مشهودا محسوسا لكل أحد، ومعلوم أن هذا له من لوازم ذاته، وما بالذات دائم بدوامها. وهو لم ينتقل من هذه الرتبة إلى رتبة الربوبية والغنى، بل لم يزل عبدا فقيرا بذاته إلى بارئه وفاطره. فلما أسبغ عليه نعمته، وأفاض عليه رحمته وساق إليه أسباب كمال وجوده ظاهرا وباطنا، وخلع عليه ملابس إنعامه، وجعل له السمع والبصر والفؤاد، وعلمه وأقدره وصرفه وحركه، ومكنه من استخدام بنى جنسه، وسخر له الخيل والإبل، وسلطه على دواب الماء، واستنزال الطير من الهواء وقهر الوحش العادية، حفر الأنهار، وغرس الأشجار، وشق الأرض، وتعلية البناء، والتحيل على مصالحه، والتحرز والتحفظ لما يؤذيه، ظن المسكين أن له نصيبا من الملك، وادعى لنفسه ملكا مع الله سبحانه، ورأى نفسه بغير تلك العين الأولى، ونسى ما كان فيه من حالة الإعدام والفقر والحاجة، حتى كأنه لم يكن هو ذلك الفقير المحتاج، بل كأن ذلك شخصا آخرغيره كما روى الإمام أحمد فى مسنده من حديث بسر بن جحاش القرشى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بصق يوما فى كفه فوضع عليها إصبعه ثم قال: "قال الله تعالى: يا ابن آدم أنى تعجزنى وقد خلقتك من مثل هذه

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية