شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

طريق الهجرتين وباب السعادتين

ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص56

دار السلفية، القاهرة، مصر

إذا عرف هذا فالله سبحانه وتعالى هو المطلوب المعبود المحبوب وحده لا شريك له وهو وحده المعين للعبد على حصول مطلوبه، فلا معبود سواه ولا معين على المطلوب غيره، وما سواه هو المكروه المطلوب بعده وهو المعين على دفعه، فهو سبحانه الجامع للأمور الأربعة دون ما سواه، وهذا معنى قول العبد: {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] ، فإن هذه العبادة تتضمن المقصود المطلوب على أكمل الوجوه، والمستعان هو الذى يستعان به على حصول المطلوب ودفع المكروه. فالأول من مقتضى ألوهيته، والثانى من مقتضى ربوبيته، لأن الإله هو الذى يؤله فيعبد محبة وإنابة وإجلالا وإكراما، والرب هو الذى يرب عبده فيعطيه خلقه ثم يهديه إلى جميع أحواله ومصالحه التى بها كماله، ويهديه إلى اجتناب المفاسد التى بها فساده وهلاكه. وفى القرآن سبعة مواضع تنتظم هذين الأصلين: أحدها قوله تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] ، الثانى قوله تعالى: {عليه توكلت وإليه أنيب} [هود: 88] [الشورى: 10] ، الثالث قوله تعالى: {فاعبده وتوكل عليه} [هود: 123] ، الرابع قوله تعالى: {عليك توكلنا وإليك أنبنا} [الممتحنة: 4] ، الخامس قوله تعالى: {وتوكل على الحى الذى لا يموت وسبح بحمده} [الفرقان: 58] ، السادس قوله: {عليه توكلت وإليه متاب} [الرعد: 30] ، السابع قوله: {واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا} [المزمل: 8- 9] ، ومما يقرر هذا أن الله خلق الخلق لعبادته الجامعة لمعرفته والإنابة إليه ومحبته والإخلاص له، فبذكره تطمئن قلوبهم وبرؤيته فى الآخرة تقر عيونهم، ولا شيء يعطيهم فى الآخرة أحب إليهم من النظر إليه، ولا شيء يعطيهم فى الدنيا أحب إليهم من الإيمان به ومحبتهم له ومعرفتهم به، وحاجتهم إليه فى عبادتهم له وتألههم له كحاجتهم إليه بل أعظم فى خلقه وربوبيته لهم ورزقه لهم، فإن ذلك هو الغاية المقصودة التى بها سعادتهم وفوزهم، وبها ولأجلها يصيرون عاملين متحركين، ولا صلاح لهم ولا فلاح ولا نعيم ولا لذة ولا سرور بدون ذلك بحال، فمن أعرض عن ذكر ربه فإن له معيشة ضنكا، ويحشره يوم القيامة أعمى، ولهذا لا يغفر الله لمن يشرك به شيئا ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ولهذا كانت: "لا إله إلا الله" أفضل الحسنات. وكان توحيد الإلهية الذى كلمته لا إله إلا الله رأس الأمر، فأما توحيد الربوبية الذى أقر به كل المخلوقات

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية