شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

طريق الهجرتين وباب السعادتين

ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص64

دار السلفية، القاهرة، مصر

فصل: فى بيان أن المنفعة والمضرة لا تكون إلا من الله وحده

وجماع هذا أنك إذا كنت غير عالم بمصلحتك ولا قادر عليها ولا مريد لها كما ينبغى فغيرك أولى أن لا يكون عالما بمصلحتك ولا قادرا عليها ولا مريدا لها، والله سبحانه هو يعلم ولا تعلم ويقدر ولا تقدر، ويعطيك من فضله لا لمعوضة ولا لمنفعة يرجوها منك، ولا لتكثر بك ولا لتعزز بك ولا يخاف الفقر ولا تنقص خزائنه على سعة الإنفاق، ولا يحبس فضله عنك لحاجة منه إليك واستغناه بحيث إذا أخرجه أثر ذلك فى غناه، وهو يحب الجود والبذل والعطاء والإحسان أعظم مما تحب أنت الأخذ والانتفاع بما سألته، فإذا حبسه عنك فاعلم أن هناك أمرين لا ثالث لهما: أحدهما أن تكون أنت الواقف فى طريق مصالحك وأنت المعوق لوصول فضله إليك وأنت حجر فى طريق نفسك، وهذا هو الأغلب على الخليقة، فإن الله سبحانه فيما قضى قضى به أن ما عنده لا ينال إلا بطاعته، وأنه ما استجلبت نعم الله بغير طاعته، ولا استديمت بغير شكره، ولا عوقت وامتنعت بغير معصيته، وكذلك إذا أنعم عليك ثم سلبك النعمة فإنه لم يسلبها لبخل منه ولا استئثار بها عليك وإنما أنت المسبب فى سلبها عنك، فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم: {ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم} [الأنفال: 53] ، فما أزيلت نعم الله بغير معصيته:

إذا كنت فى نعمة فارعها ... فإن المعاصى تزيل النعم

فآقتك من نفسك، وبلاؤك من نفسك، وأنت فى الحقيقة الذى بالغت فى عداوتك، وبلغت من معاداة نفسك ما لا يبلغ العدو منك، كما قيل:

ما يبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية