طريق الهجرتين وباب السعادتين
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص65
دار السلفية، القاهرة، مصر
ومن العجب أن هذا شأنك مع نفسك وأنت تشكو المحسن البريء عن الشكاية، وتتهم أقداره وتعانيها وتلومها، فقد ضيعت فرصتك وفرطت فى حظك، وعجز رأيك عن معرفة أسباب سعادتك وإرادتها، ثم قعدت تعاتب القدر بلسان الحال والقال، فأنت المعنى بقول القائل:
وعاجز الرأى مضياع لفرصته ... حتى إذا فات أمر عاتب القدرا
ولو شعرت برأيك، وعلمت من أين دهيت ومن أين أصبت، لأمكنك تدارك ذلك، ولكن قد فسدت الفطرة وانتكس القلب وأطفأ الهوى مصابيح العلم والإيمان منه فأعرضت عمن هو أصل بلائك ومصيبتك منه وأقبلت تشكو من كل إحسان دقيق أو جليل وصل إليك فمنه فإذا شكوته إلى خلقه كنت كما قال بعض العارفين- وقد رأى رجلا يشكو إلى آخر ما أصابه ونزل به- فقال: يا هذا تشكو من يرحمك، إلى من لا يرحمك.
وإذا أتتك مصيبة فاصبر لها ... صبر الكريم فإنه بك أرحم
وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما ... تشكو الرحيم إلى الذى لا يرحم
وإذا علم العبد حقيقة الأمر، وعرف من أين أتى ومن أى الطرق أغير على سرحه ومن أى ثغرة سرق متاعه وسلب استحى من نفسه- إن لم يستح من الله- أن يشكو أحدا من خلقه أو يتظلمهم أو يرى مصيبته وآفته من غيره، قال تعالى {ومآ أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير} [الشورى:30] ، وقال: {أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم} [آل عمران: 165] ، وقال: {مآ أصابك من حسنة فمن الله ومآ أصابك من سيئة فمن نفسك} [النساء: 79] .
فإن أصررت على اتهام القدر وقلت: فالسبب الذى أصبت منه وأتيت منه ودهيت منه قد سبق به القدر والحكم وكان فى الكتاب مسطورا، فلا بد منه على الرغم منى، وكيف لى أن أنفك منه وقد أودع الكتاب الأول قبل بدء الخليقة والكتاب الثانى قبل خروجى إلى هذا العلم وأنا فى ظلمات الأحشاء حين أمر الملك بكتب الرزق
#