شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

طريق الهجرتين وباب السعادتين

ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص74

دار السلفية، القاهرة، مصر

ابن مسعود عن النبى صلى الله عليه وسلم: "إن أحدكم يجمع خلقه فى بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم ينفخ فيه الروح، ويبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقى أو سعيد". وفى حديث ابن مسعود أن هذا التقدير وهذه الكتابة فى الطور الرابع من أطوار التخليق عند نفخ الروح فيه، وفى الأحاديث التى ذكرت أيضا آنفا أن ذلك فى الأربعين الأولى قبل كونه علقة ومضغة، وفى رواية صحيحة: "إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها" وفى رواية: "إن ذلك يكون فى بضع وأربعين ليلة" والله أعلم.

فصل: فى الجمع بين الروايات المتقدمة

الجمع بين هذه الروايات أن للملك ملازمة ومراعاة بحال النطفة، وأنه يقول: يا رب هذه نطفة، هذه علقة، هذه مضغة فى أوقاتها. فكل وقت يقول فيه ما صارت إليه بأمر الله [تعالى] ، وهو أعلم بها وبكلام الملك، فتصرفه فى أوقات: أحدها حين يخلقها الله نطفة ثم ينقلها علقة، وهو أول أوقات علم الملك بأنه ولد، لأنه ليس كل نطفة تصير ولدا، وذلك بعد الأربعين الأولى فى أول الطور الثانى. ولهذا- والله أعلم- وقعت الإشارة إليه فى أول سورة أنزلها على رسوله: {إقرأ باسم ربك الذى خلق خلق الإنسان من علق} [العلق: 1- 2] إذ خلقه من علقة هو أول مبدء الإنسانية، وحينئذ يكتب رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته ثم للملك فيه تصرف آخر [فى وقت آخر] وهو تصويره وتخليق سمعه وبصره وجلده وعظمه ولحمه وذكوريته وأنوثيته وهذا إنما يكون فى الأربعين الثالثة قبل نفخ الروح فيها فإن نفخ الروح لا يكون إلا بعد تمام تصويره. فها هنا تقديران وكتابان: التقدير الأول عند ابتداء تعليق التخليق فى النطفة وهو إذا مضى عليها أربعون ودخلت فى طور العلقة. ولهذا فى إحدى الروايات: "إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة". والتقدير الثانى الكتابة [الثانية] إذا كمل تصويره وتخليقه وتقدير أعضائه وكونه ذكرا أو أنثى. فالتقدير الأول تقدير لما يكون للنطفة بعد الأربعين، والتقدير الثانى تقدير لما يكون للجنين بعد تصويره، ثم إذا ولد قدر مع ولادته كل سنة ما يلقاه فى تلك السنة، وهو ما يقدر ليلة القدر

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية