تأويل مختلف الحديث
ابن قتيبة • علوم الحديث • ص 282
المكتب الاسلامي - مؤسسة الإشراق
فإذا جاز أن يبعث الله عز وجل رسولا بشريعة، فتستعمل حقبا من الدهر، ويكون المستعملون لها مطيعين لله تعالى، ثم يبعث رسولا ثانيا بشريعة ثانية، تنسخ تلك الأولى ويكون المستعملون لها مطيعين لله تعالى، كبعثه موسى عليه السلام بالسبت، ونسخ السبت بالمسيح عليه السلام، وبعثه إياه بالختان في اليوم السابع، ونسخ ذلك أيضا بالمسيح عليه السلام- جاز أيضا أن يفرض شيئا على عباده في وقت، ثم ينسخه في وقت آخر والرسول واحد.
وقد قال عز وجل: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} 1 يريد، بخير منها أسهل منها.
وإذا جاز أن ينسخ الكتاب بالكتاب، جاز أن ينسخ الكتاب بالسنة، لأن السنة يأتيه بها جبريل عليه السلام، عن الله تبارك وتعالى، فيكون المنسوخ من كلام الله تعالى الذي هو قرآن، بناسخ من وحي الله عز وجل، الذي ليس بقرآن.
ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أوتيت الكتاب ومثله معه" 2.
يريد أنه أوتي الكتاب ومثل الكتاب من السنة، ولذلك قال الله عز وجل: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} 3.
وقد علم الله عز وجل أنا نقبل منه ما بلغنا عنه من كلام الله تعالى.
ولكنه علم أنه سينسخ بعض القرآن بالوحي إليه.
فإذا وقع ذلك، قدح في بعض القلوب، وأثر في بعض البصائر فقال لنا: {وما آتاكم الرسول فخذوه} أي: ما آتاكم به الرسول، مما ليس في القرآن، أو مما ينسخ القرآن، فاقبلوه.