تأويل مختلف الحديث
ابن قتيبة • علوم الحديث • ص 397
المكتب الاسلامي - مؤسسة الإشراق
فإن قيل لنا: كيف النزول منه جل وعز؟
قلنا: لا نحتم على النزول منه بشيء، ولكنا نبين كيف النزول منا، وما تحتمله اللغة من هذا اللفظ، والله أعلم بما أراد.
والنزول منا يكون بمعنيين:
"أحدهما": لانتقال عن مكان إلى مكان؛ كنزولك من الجبل إلى الحضيض، ومن السطح إلى الدار.
"والمعنى الآخر": إقبالك على الشيء بالإرادة والنية.
وكذلك الهبوط والارتقاء، والبلوغ والمصير، وأشباه هذا من الكلام،
ومثال ذلك أن يسألك سائل عن محال قوم من الأعراب وهو لا يريد المصير إليهم، فتقول له: "إذا صرت إلى جبل كذا، فانزل منه وخذ يمينا، وإذا صرت إلى وادي كذا، فاهبط فيه، ثم خذ شمالا، وإذا صرت إلى أرض كذا، فاعتل هضبة هناك، حتى تشرف عليهم".
وأنت لا تريد في شيء، مما تقوله، افعله ببدنك إنما تريد افعله بنيتك وقصدك.
وقد يقول القائل: "بلغت إلى الأحرار تشتمهم، وصرت إلى الخلفاء تطعن عليهم، وجئت إلى العلم تزهد فيه، ونزلت عن معالي الأخلاق إلى الدناءة".
وليس يراد في شيء من هذا، انتقال الجسم.
وإنما يراد به القصد إلى الشيء بالإرادة والعزم والنية.
وكذلك قوله جل وعز: {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} 1.