شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأويل مشكل القرآن

ابن قتيبة • علوم القرآن • ص 202

تحقيق: إبراهيم شمس الدين — دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان

ولم يقل: إلى النجوم. وهذا كما يقال: فلان ينظر في النجوم، إذا كان يعرف حسابها، وفلان ينظر في الفقه والحساب والنحو.

وإنما أراد بالنظر فيها: أن يوهمهم أنه يعلم منها ما يعلمون، ويتعرف في الأمور من حيث يتعرفون، وذلك أبلغ في المحال، وألطف في المكيدة فقال إني سقيم (89) [الصافات: 89] أي سأسقم فلا أقدر على الغدو معكم. هذا الذي أوهمهم بمعاريض الكلام، ونيته أنه سقيم غدا لا محالة، لأن من كانت غايته الموت ومصيره إلى الفناء- فسيسقم. ومثله قوله تعالى: إنك ميت وإنهم ميتون (30) [الزمر: 30] ولم يكن النبي، صلى الله عليه وسلم، ميتا في ذلك الوقت، وإنما أراد: أنك ستموت وسيموتون.

فلما جن عليه الليل رأى الزهرة قال هذا ربي يريد: أن يستدرجهم بهذا القول، ويعرفهم خطأهم، وجهلهم في تعظيمهم شأن النجوم، وقضائهم على الأمور بدلالتها. فأراهم أنه معظم ما عظموا، وملتمس الهدى من حيث التمسوا. وكل من تابعك على هواك وشابعك على أمرك، كنت به أوثق، وإليه أسكن وأركن. فأنسوا واطمأنوا.

فلما أفل أراهم النقص الداخل على النجم بالأفول، لأنه ليس ينبغي لإله أن يزول ولا أن يغيب، ف قال لا أحب الآفلين واعتبر مثل ذلك في الشمس والقمر، حتى تبين للقوم ما أراد، من غير جهة العناد والمبادأة بالتنقص والعيب.

ثم قال: إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات وما فيها من نجم وقمر وشمس والأرض وما فيها من بحر وجبل وحجر وصنم وما أنا من المشركين ومثل هذا: الحواري حين ورد على قوم يعبدون (بدا) «1» لهم فأظهر تعظيمه وترفيله «2» ، وأراهم الاجتهاد في دينهم، فأكرموه وفضلوه وائتمنوه، وصدروا في كثير من الأمور عن رأيه. إلى أن دهمهم عدو لهم خافه الملك على مملكته، فشاور الحواري في أمره، فقال: الرأي أن ندعو إلهنا- يعني البد- حتى يكشف ما قد أظلنا، فإنا لمثل هذا اليوم كنا نرشحه. فاستكفوا حوله «3» يتضرعون إليه ويجأرون، وأمر عدوهم يستفحل، وشوكته تشتد يوما بعد يوم. فلما تبين لهم من هذه الجهة أن (بدهم) لا ينفع ولا يدفع، ولا يبصر ولا يسمع، قال: هاهنا إله آخر، أدعوه فيستجيب،

الصفحة السابقة الصفحة التالية