تأويل مشكل القرآن
ابن قتيبة • علوم القرآن • ص 13
تحقيق: إبراهيم شمس الدين — دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
بأرعن مثل الطود تحسب أنهم ... وقوف لحاج والركاب تهملج
وفي قوله جل ذكره: ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب [البقرة: 179] يريد أن سافك الدم إذا أقيد منه ارتدع من كان يهم بالقتل، فكان في القصاص له حياة وهو قتل.
وأخذه الشاعر فقال «1» :
أبلغ أبا مالك عني مغلغلة ... وفي العتاب حياة بين أقوام
يريد أنهم إذا تعاتبوا أصلح ما بينهم العتاب فكفوا عن القتل، فكان في ذلك حياة.
وأخذه المتمثلون فقالوا: «بعض القتل إحياء للجميع» «2» .
وقالوا: «القتل أقل للقتل» «3» .
وتبين قوله في وصف خمر أهل الجنة: لا يصدعون عنها ولا ينزفون (19) [الواقعة:
19] كيف نفى عنها بهذين اللفظين جميع عيوب الخمر، وجمع بقوله: (ولا ينزفون) عدم العقل، وذهاب المال، ونفاد الشراب.
وقوله: ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون (42) ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون (43) [يونس: 42، 43] كيف دل على فضل السمع على البصر، حين جعل مع الصمم فقدان العقل، ولم يجعل مع العمى إلا فقدان النظر.
وقوله: إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا (145) إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله [النساء: 145، 146] فدل على أن المنافقين شر من كفر به، وأولاهم بمقته، وأبعدهم من الإنابة إليه، لأنه شرط عليهم في التوبة: الإصلاح والاعتصام، ولم يشرط ذلك على غيرهم.
ثم شرط الإخلاص، لأن النفاق ذنب القلب، والإخلاص توبة القلب.