تأويل مشكل القرآن
ابن قتيبة • علوم القرآن • ص 56
تحقيق: إبراهيم شمس الدين — دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
وأما قوله: ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا [مريم: 62] ، فإن الناس يختلفون في مطاعمهم: فمنهم من يأكل الوجبة، ومنهم من عادته الغداء والعشاء، ومنهم من يزيد عليهما، ومنهم من يأكل متى وجد لغير وقت ولا عدد. فأعدل هذه الأحوال للطاعم وأنفعها، وأبعدها من البشم «1» والطوى «2» على العموم- الغداء والعشاء. والعرب تكره الوجبة، وتستحب العشاء، وتقول: ترك العشاء مهرمة، وترك العشاء يذهب بلحم الكاذة «3» .
وقد بينت معناهم في هذا القول في كتاب (غريب الحديث) .
ونحن لا نعرف دهرا لا يختلف له وقت، ولا يرى فيه ظلام ولا شمس، فأراد الله جل وعز أن يعرفنا من حيث نفهم ونعلم، أحوال أهل الجنة في مأكلهم، واعتدال أوقات مطاعمهم، فضرب لنا البكرة والعشي مثلا، إذ كانا يدلان على العشاء والغداء.
وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، أنه قال: كانت العرب إذا أصاب أحدهم الغداء والعشاء أعجبه ذلك. فأخبرهم الله تبارك وتعالى أن لهم في الجنة هذه الحال التي تعجبهم في الدنيا.
وأما قوله: النار يعرضون عليها غدوا وعشيا [غافر: 46] ، فإنه لم يرد أن ذلك يكون في الآخرة، وإنما أراد أنهم يعرضون عليها بعد مماتهم في القبور.
وهذا شاهد من كتاب الله لعذاب القبر، يدلك على ذلك قوله: ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب، [غافر: 46] فهم في البرزخ يعرضون على النار غدوا وعشيا، وفي القيامة يدخلون أشد العذاب.
وأما قوله: مثل الجنة التي وعد المتقون [الرعد: 35] ، ولم يأت بالشيء الذي جعل له الجنة مثلا- فإن أصل المثل ما ذهبوا إليه من معنى المثل، تقول: هذا مثل الشيء ومثله، كما تقول: هذا شبه الشيء وشبهه.
ثم قد يصير المثل بمعنى الشيء وصفته، وكذلك المثال والتمثال، يقال للمرأة الرائقة: كأنها مثال، وكأنها تمثال، أي صورة، كما يقال: كأنها دمية، أي صورة، وإنما هي مثل، وقد مثلت لك كذا، أي صورته ووصفته.
فأراد الله بقوله: مثل الجنة، أي صورتها وصفتها.