شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأويل مشكل القرآن

ابن قتيبة • علوم القرآن • ص 57

تحقيق: إبراهيم شمس الدين — دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان

وروي أن عليا رحمه الله كان يقرأ: مثال الجنة أو أمثال الجنة

، وهو بمنزلة مثل، إلا أنه أوضح وأقرب في أفهام الناس إلى المعنى الذي تأولناه في مثل.

ونحوه قوله: محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود، ثم قال: ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل [الفتح: 29] أي ذلك وصفهم، لأنه لم يضرب لهم مثلا في أول الكلام، فيقول: ذلك مثلهم وإنما وصفهم وحلاهم، ثم قال: ذلك مثلهم أي وصفهم.

وقوله: يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له، ثم قال: إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له [الحج: 73] ، ولم يأت بالمثل، لأن في الكلام معناه، كأنه قال: يا أيها الناس، مثلكم مثل من عبد آلهة اجتمعت لأن تخلق ذبابا لم تقدر عليه، وسلبها الذباب شيئا فلم تستنقذه منه.

ومثل هذا في القرآن وكلام العرب أشياء قد اقتصصناها في (أبواب المجاز) .

وأما قوله: وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب (40) [الرعد: 40] . فإنه لم يرد أن عليك البلاغ بعد الوفاة كما ظنوا، وإنما أراد:

إن أريناك بعض الذي نعدهم في حياتك، أو توفيناك قبل أن نريك ذلك- فليس عليك إلا أن تبلغ، وعلينا أن نجازي.

ومثل هذا: رجل بعثته واليا وقلت له: سر إلى بلد كذا فادعهم، فإن استجابوا لك فأحسن فيهم السيرة، وابسط المعدلة، وإن عصوك فعظهم وحذرهم عقاب المعصية، فإن أقاموا على الغواية أعلمتني ليأتيهم النكير. فصار إليهم فمانعوه، ووعظهم فخالفوه، وأقام حينا مستبطئا ما أوعدتهم به، فقلت: إن أريناك ما وعدناهم من العقوبة أو عزلناك قبل أن نريك ذلك- فليس لك أن تستبطئنا، إنما عليك التبليغ والعظة، وعلينا الجزاء والمكافأة.

وأما قوله: فأذاقها الله لباس الجوع والخوف [النحل: 112] .

وقوله: وبلغت القلوب الحناجر [الأحزاب: 10] .

وقوله: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق [الأنفال: 5] .

وقوله: سنسمه على الخرطوم (16) [القلم: 16] .

فقد ذكرنا الجواب عن ذلك في (باب المجاز) ، وكرهنا إعادته في هذا الموضع وستراه هناك كافيا، إن شاء الله.

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية