تأويل مشكل القرآن
ابن قتيبة • علوم القرآن • ص 70
تحقيق: إبراهيم شمس الدين — دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
والأرض معقلنا وكانت أمنا ... فيها مقابرنا وفيها نولد
وقال يذكرها «1» :
منها خلقنا وكانت أمنا خلقت ... ونحن أبناؤها لو أننا شكر
هي القرار فما نبغي بها بدلا ... ما أرحم الأرض إلا أننا كفر
وقال الله تعالى في الكافر: فأمه هاوية (9) [القارعة: 9] لما كانت الأم كافلة الولد وغاذيته، ومأواه ومربيته، وكانت النار للكافر كذلك- جعلها أمه.
وقال في أزواج النبي، صلى الله عليه وسلم: وأزواجه أمهاتهم [الأحزاب: 6] ، أي: كأمهاتهم في الحرمات.
وفي (التوراة) (إن الله برك اليوم السابع وطهره، من أجل أنه استراح فيه من خليقته التي خلق) .
وأصل الاستراحة: أن تكون في معاناة شيء ينصبك ويتعبك، فتستريح.
ثم ينتقل ذلك فتصير الاستراحة بمعنى: الفراغ. تقول في الكلام: استرحنا من حاجتك وأمرنا بها. تريد فرغنا، والفراغ، أيضا يكون من الناس بعد شغل.
ثم قد ينتقل ذلك فيصير في معنى القصد للشيء، تقول: لئن فرغت لك، أي قصدت قصدك.
وقال الله تعالى: سنفرغ لكم أيه الثقلان (31) [الرحمن: 31] . والله تبارك وتعالى لا يشغله شأن عن شأن. ومجازه: سنقصد لكم بعد طول الترك والإمهال.
وقال قتادة: قد دنا من الله فراغ لخلقه. يريد: أن الساعة قد أزفت وجاء أشراطها.
وتأول قوم في قوله تعالى: في أي صورة ما شاء ركبك (8) [الانفطار: 8] معنى (التناسخ) . ولم يرد الله في هذا الخطاب إنسانا بعينه، وإنما خاطب به جميع الناس كما قال: يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا [الانشقاق: 6] كما يقول القائل: يا أيها الرجل، وكلكم ذلك الرجل.
فأراد أنه صورهم وعدلهم، في أي صورة شاء ركبهم: من حسن وقبح، وبياض