شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأويل مشكل القرآن

ابن قتيبة • علوم القرآن • ص 106

تحقيق: إبراهيم شمس الدين — دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان

وهذه الآية نزلت في أهل مكة، وكانوا آمنين بها لا يغار عليهم، مطمئنين لا ينتجعون ولا يتنقلون، فأبدلهم الله بالأمن الخوف من سريا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعوثه، وبالكفاية الجوع سبع سنين، حتى أكلوا القد والعظام.

ولباس الجوع والخوف: ما ظهر عليهم من سوء آثارهما بالضمر والشحوب ونهكة البدن، وتغير الحال، وكسوف البال.

وقال في موضع آخر: ولباس التقوى [الأعراف: 26] ، أي ما ظهر عنه من السكينة والإخبات والعمل الصالح، وكما تقول: تعرفت سوء أثر الخوف والجوع على فلان، وذقت بمعنى: تعرفت واللباس: بمعنى سوء الأثر- كذلك تقول: ذقت لباس الجوع والخوف، وأذاقني الله ذلك.

ومنه قوله: والمرسلات عرفا (1) [المرسلات: 1] يعني الملائكة، يريد: أنها متتابعة يتلو بعضها بعضا بما ترسل به من أمر الله عز وجل.

وأصل هذا من عرف الفرس، لأنه سطر مستو بعضه في إثر بعض. فاستعير للقوم يتبع بعضهم بعضا.

ومنه يقول الناس: هم إليه عرف واحد، إذا كثروا وتتابعوا في توجههم إليه.

ويقال: أرسلت بالعرف أي بالمعروف.

ومنه قوله سبحانه: سنستدرجهم من حيث لا يعلمون [الأعراف: 182] والاستدراج:

أن يدنيهم من بأسه قليلا قليلا من حيث لا يعلمون، ولا يباغتهم ولا يجاهرهم. ومنه يقال: درجت فلانا إلى كذا وكذا، واستدرج فلانا حتى تعرف ما عنده وما صنع. يراد لا تجاهره ولا تهجم عليه بالسؤال، ولكن استخرج ما عنده قليلا قليلا.

وأصل هذا من الدرجة، وذلك أن الراقي فيها النازل منها ينزل مرقاة مرقاة، فاستعير هذا منها.

ومنه قوله سبحانه: ويقبضون أيديهم [التوبة: 67] أي يمسكون عن العطية.

وأصل هذا: أن المعطي بيده يمدها ويبسطها بالعطاء، فقيل لكل من بخل ومنع: قد قبض يده.

ومنه قوله: وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا [المائدة: 64] أي:

ممسكة.

ومنه قوله: وظنوا أنهم أحيط بهم [يونس: 22] : أي دنوا من الهلاك. وأصل

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية