أسد الغابة في معرفة الصحابة — ج 2
ابن الأثير • التاريخ والتراجم • ج2 ص130
دار الفكر - بيروت
فيا ليت شعري هل لك الدهر رجعة ... فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجل [1]
تذكرنيه الشمس عند طلوعها ... وتعرض ذكراه إذا قارب الطفل [2]
وإن هبت الأرواح هيجن ذكره ... فيا طول ما حزني عليه ويا وجل [3]
سأعمل نص العيس [4] في الأرض جاهدا ... ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبل
حياتي أو تأتي علي منيتي ... وكل امرئ فان وإن غره الأمل
سأوصي به قيسا وعمرا كليهما ... وأوصى يزيدا ثم من بعده بل
يعني جبلة بن حارثة، أخا زيد، وكان أكبر من زيد، ويعني بقوله: يزيد: أخا زيد لأمه، وهو يزيد بن كعب بن شراحيل، ثم إن ناسا من كلب حجوا فرأوا زيدا، فعرفهم وعرفوه، فقال لهم:
أبلغوا عني أهلي هذه الأبيات، فإني أعلم أنهم جزعوا علي، فقال:
أحسن إلى قومي وإن كنت نائيا ... فإني قعيد البيت عند المشاعر
فكفوا من الوجد الذي قد شجاكم ... ولا تعملوا في الأرض نص الأباعر
فإني بحمد الله في خير أسرة ... كرام معد كابرا بعد كابر
فانطلق الكلبيون، فأعلموا أباه ووصفوا له موضعه، وعند من هو، فخرج حارثة وأخوه كعب ابنا شراحيل لفدائه، فقدما مكة، فدخلا على النبي صلى الله عليه وسلم، فقالا: يا ابن عبد المطلب، يا ابن هاشم، يا ابن سيد قومه، جئناك في ابننا عندك، فامنن علينا، وأحسن إلينا في فدائه: فقال: من هو؟ قالوا:
زيد بن حارثة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهلا غير ذلك. قالوا: ما هو؟ قال: ادعوه وخيروه، فإن اختاركم فهو لكم، وإن اختارني فو الله ما أنا بالذي أختار على من اختارني أحدا. قالا: قد زدتنا على النصف وأحسنت. فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هل تعرف هؤلاء؟ قال: نعم، هذا أبي وهذا عمي، قال: فأنا من قد عرفت ورأيت صحبتي لك، فاخترني أو اخترهما. قال: ما أريدهما، وما أنا بالذي أختار عليك أحدا، أنت مني مكان الأب والعم. فقالا: ويحك يا زيد، أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وأهل بيتك؟! قال: نعم، قد رأيت [5] من هذا الرجل شيئا، ما أنا بالذي أختار عليه أحدا أبدا، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أخرجه إلى الحجر، فقال: يا من حضر، اشهدوا أن زيدا ابني، يرثني وأرثه، فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت نفوسهما وانصرفا. وروى معمر، عن الزهري قال: ما علمنا أحدا أسلم قبل زيد بن حارثة، قال عبد الرزاق: لم يذكره غير الزهري.
قال أبو عمر: وقد روي عن الزهري من وجوه أن أول من أسلم خديجة.