شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

أسد الغابة في معرفة الصحابة — ج 5

ابن الأثير • التاريخ والتراجم • ج5 ص103

دار الفكر - بيروت

- وقد قبض على صل- وهي الحية- فهي تلتوي عليه، والشيهم يعضها حتى أكلها، فزجرت ذلك فقلت: الشيهم شيء مهم، والتواء الصل التواء الناس عن الحق على القائم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أولت أكل الشيهم إياها غلبة القائم بعده على الأمر. فحثثت ناقتي حتى إذا كنت بالغابة زجرت [1] الطائر، فأخبرني بوفاته. ونعب غراب سانح فنطق بمثل ذلك، فتعوذت بالله من شر ما عن لي في طريقي. وقدمت المدينة ولها ضجيج بالبكاء كضجيج الحاج إذا أهلوا بالإحرام، فقلت: مه؟ فقالوا: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجئت المسجد فوجدته خاليا، وأتيت بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصبت بابه مرتجا، وقيل: هو مسجى، وقد خلا به أهله. فقلت: أين الناس؟ فقالوا: في سقيفة بني ساعدة، صاروا إلى الأنصار. فجئت إلى السقيفة فوجدت أبا بكر، وعمر، وأبا عبيدة بن الجراح، وسالما، وجماعة من قريش.

ورأيت الأنصار فيهم: سعد بن عبادة، وفيهم شعراؤهم: كعب بن مالك، وحسان بن ثابت، وملأ منهم. فآويت إلى قريش وتكلمت الأنصار فأطالوا الخطاب، وأكثروا الصواب. وتكلم أبو بكر فلله دره من رجل لا يطيل الكلام، يعلم مواضع فصل الخصام! والله لقد تكلم بكلام لا يسمعه سامع إلا انقاد له، ومال إليه. ثم تكلم عمر بعده بدون كلامه، ثم مد يده فبايعه وبايعوه. ورجع أبو بكر فرجعت معه. قال أبو ذؤيب: فشهدت الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم وشهدت دفنه. ثم أنشد أبو ذؤيب يبكي النبي صلى الله عليه وسلم [2] :

لما رأيت الناس في عسلانهم [3] ... ما بين ملحود له ومضرح [4]

متبادرين لشرجع [5] بأكفهم ... نص الرقاب، لفقد أبيض أروح [6]

فهناك صرت إلى الهموم، ومن يبت ... جار الهموم يبيت غير مروح

الصفحة السابقة الصفحة التالية