زاد المعاد في هدي خير العباد — ج 4
ابن قيم الجوزية • السيرة النبوية • ج4 ص211
مؤسسة الرسالة، بيروت - مكتبة المنار الإسلامية، الكويت
وفي هذا الشرب حكم جمة، وفوائد مهمة، وقد نبه - صلى الله عليه وسلم - على مجامعها بقوله: ( «إنه أروى وأمرأ وأبرأ» ) ، فأروى: أشد ريا وأبلغه وأنفعه، وأبرأ: أفعل من البرء، وهو الشفاء، أي يبرئ من شدة العطش ودائه لتردده على المعدة الملتهبة دفعات، فتسكن الدفعة الثانية ما عجزت الأولى عن تسكينه، والثالثة ما عجزت الثانية عنه، وأيضا فإنه أسلم لحرارة المعدة، وأبقى عليها من أن يهجم عليها البارد وهلة واحدة، ونهلة واحدة.
وأيضا فإنه لا يروي لمصادفته لحرارة العطش لحظة، ثم يقلع عنها، ولما تكسر سورتها وحدتها، وإن انكسرت لم تبطل بالكلية بخلاف كسرها على التمهل والتدريج.
وأيضا فإنه أسلم عاقبة، وآمن غائلة من تناول جميع ما يروي دفعة واحدة، فإنه يخاف منه أن يطفئ الحرارة الغريزية بشدة برده، وكثرة كميته، أو يضعفها فيؤدي ذلك إلى فساد مزاج المعدة والكبد، وإلى أمراض رديئة، خصوصا في سكان البلاد الحارة، كالحجاز واليمن ونحوهما، أو في الأزمنة الحارة كشدة الصيف، فإن الشرب وهلة واحدة مخوف عليهم جدا، فإن الحار الغريزي ضعيف في بواطن أهلها، وفي تلك الأزمنة الحارة.
#
