زاد المعاد في هدي خير العباد — ج 4
ابن قيم الجوزية • السيرة النبوية • ج4 ص226
مؤسسة الرسالة، بيروت - مكتبة المنار الإسلامية، الكويت
الأسباب في منع تولدها، فإنها تسخن الأعضاء، وتسيل فضلاتها، فلا تجتمع على طول الزمان، وتعود البدن الخفة والنشاط، وتجعله قابلا للغذاء، وتصلب المفاصل، وتقوي الأوتار والرباطات، وتؤمن جميع الأمراض المادية وأكثر الأمراض المزاجية إذا استعمل القدر المعتدل منها في وقته، وكان باقي التدبير صوابا.
ووقت الرياضة بعد انحدار الغذاء، وكمال الهضم، والرياضة المعتدلة هي التي تحمر فيها البشرة، وتربو ويتندى بها البدن، وأما التي يلزمها سيلان العرق فمفرطة، وأي عضو كثرت رياضته قوي، وخصوصا على نوع تلك الرياضة، بل كل قوة فهذا شأنها، فإن من استكثر من الحفظ قويت حافظته، ومن استكثر من الفكر قويت قوته المفكرة، ولكل عضو رياضة تخصه، فللصدر القراءة، فليبتدئ فيها من الخفية إلى الجهر بتدريج، ورياضة السمع بسمع الأصوات والكلام بالتدريج، فينتقل من الأخف إلى الأثقل، وكذلك رياضة اللسان في الكلام، وكذلك رياضة البصر، وكذلك رياضة المشي بالتدريج شيئا فشيئا.
وأما ركوب الخيل ورمي النشاب، والصراع، والمسابقة على الأقدام، فرياضة للبدن كله، وهي قالعة لأمراض مزمنة، كالجذام والاستسقاء، والقولنج.
ورياضة النفوس بالتعلم والتأدب، والفرح والسرور، والصبر والثبات، والإقدام والسماحة، وفعل الخير، ونحو ذلك مما ترتاض به النفوس، ومن أعظم رياضتها: الصبر والحب، والشجاعة والإحسان، فلا تزال ترتاض بذلك شيئا فشيئا حتى تصير لها هذه الصفات هيئات راسخة، وملكات ثابتة.
وأنت إذا تأملت هديه - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، وجدته أكمل هدي حافظ للصحة والقوى، ونافع في المعاش والمعاد.
ولا ريب أن الصلاة نفسها فيها من حفظ صحة البدن، وإذابة أخلاطه وفضلاته ما هو من أنفع شيء له سوى ما فيها من حفظ صحة الإيمان، وسعادة
#
