زاد المعاد في هدي خير العباد — ج 4
ابن قيم الجوزية • السيرة النبوية • ج4 ص240
مؤسسة الرسالة، بيروت - مكتبة المنار الإسلامية، الكويت
ممن لا يشك في ثقته، فلست أرخص فيه، بل أنهى عنه.
قلت: ومن هاهنا نشأ الغلط على من نقل عنه الإباحة من السلف والأئمة، فإنهم أباحوا أن يكون الدبر طريقا إلى الوطء في الفرج، فيطأ من الدبر لا في الدبر، فاشتبه على السامع " من " ب " في "، ولم يظن بينهما فرقا، فهذا الذي أباحه السلف والأئمة، فغلط عليهم الغالط أقبح الغلط وأفحشه.
وقد قال تعالى: {فأتوهن من حيث أمركم الله} [البقرة: 222] ، قال مجاهد: سألت ابن عباس عن قوله تعالى: {فأتوهن من حيث أمركم الله} [البقرة: 222] ، فقال: تأتيها من حيث أمرت أن تعتزلها يعني في الحيض. وقال علي بن أبي طلحة عنه، يقول: في الفرج، ولا تعده إلى غيره.
وقد دلت الآية على تحريم الوطء في دبرها من وجهين: أحدهما: أنه أباح إتيانها في الحرث، وهو موضع الولد لا في الحش الذي هو موضع الأذى، وموضع الحرث هو المراد من قوله: {من حيث أمركم الله} [البقرة: 222] الآية، قال: {فأتوا حرثكم أنى شئتم} [البقرة: 223] ، وإتيانها في قبلها من دبرها مستفاد من الآية أيضا، لأنه قال أنى شئتم، أي: من أين شئتم من أمام أو من خلف. قال ابن عباس: {فأتوا حرثكم} [البقرة: 223] يعني: الفرج.
وإذا كان الله حرم الوطء في الفرج لأجل الأذى العارض، فما الظن بالحش الذي هو محل الأذى اللازم مع زيادة المفسدة بالتعرض لانقطاع النسل والذريعة القريبة جدا من أدبار النساء إلى أدبار الصبيان.
وأيضا: فللمرأة حق على الزوج في الوطء، ووطؤها في دبرها يفوت حقها، ولا يقضي وطرها، ولا يحصل مقصودها.
وأيضا: فإن الدبر لم يتهيأ لهذا العمل، ولم يخلق له، وإنما الذي هيئ له الفرج، فالعادلون عنه إلى الدبر خارجون عن حكمة الله وشرعه جميعا.
#
