معالم التنزيل (تفسير البغوي) — ج 2
البغوي • التفسير • ج2 ص307
تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش — دار طيبة للنشر والتوزيع
وذلك أن الله تعالى ألقى شبه عيسى عليه السلام على الذي دل اليهود عليه، وقيل: إنهم حبسوا عيسى عليه السلام في بيت وجعلوا عليه رقيبا فألقى الله تعالى شبه عيسى عليه السلام على الرقيب فقتلوه، وقيل غير ذلك، كما ذكرنا في سورة آل عمران (1) .
قوله تبارك وتعالى: {وإن الذين اختلفوا فيه} في قتله، {لفي شك منه} أي: في قتله، قال الكلبي: اختلافهم فيه هو أن اليهود قالت نحن قتلناه، وقالت طائفة من النصارى نحن قتلناه، وقالت طائفة منهم ما قتله هؤلاء ولا هؤلاء بل رفعه الله إلى السماء، ونحن ننظر إليه، وقيل: كان الله تعالى ألقى شبه وجه عيسى عليه السلام على وجه صطيافوس ولم يلقه على جسده، فاختلفوا فيه فقال بعضهم قتلنا عيسى، فإن الوجه وجه عيسى عليه السلام وقال بعضهم لم نقتله لأن جسده ليس جسد عيسى عليه السلام، فاختلفوا. قال السدي: اختلافهم من حيث أنهم قالوا: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟ وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟ قال الله تعالى: {ما لهم به من علم} حقيقة أنه قتل أو لم يقتل، {إلا اتباع الظن} لكنهم يتبعون الظن في قتله. قال الله جل جلاله: {وما قتلوه يقينا} أي: {ما قتلوا عيسى يقينا} (2) .
{بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما (158) وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا (159) }
{بل رفعه الله إليه} وقيل قوله "يقينا" ترجع إلى ما بعده وقوله "وما قتلوه" كلام تام تقديره: بل رفعه الله إليه يقينا، والهاء في "ما قتلوه" كناية عن عيسى عليه السلام، وقال الفراء رحمه الله: معناه وما قتلوا الذي ظنوا أنه عيسى يقينا، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما معناه: ما قتلوا ظنهم يقينا، {وكان الله عزيزا} منيعا بالنقمة من اليهود، {حكيما} حكم باللعنة والغضب عليهم، فسلط عليهم ضيطوس بن اسبسيانوس الرومي فقتل منهم مقتلة عظيمة.
قوله تعالى: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} أي: وما من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى عليه السلام، هذا قول أكثر المفسرين وأهل العلم، وقوله "قبل موته" اختلفوا في هذه الكناية: فقال عكرمة ومجاهد والضحاك والسدي: إنها كناية عن الكتابي، ومعناه: وما من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن بعيسى عليه السلام قبل موته، إذا وقع في البأس حين لا ينفعه إيمانه سواء احترق أو غرق أو تردى في بئر أو سقط عليه جدار أو أكله سبع أو مات فجأة، وهذه رواية عن أبي طلحة عن ابن
