معالم التنزيل (تفسير البغوي) — ج 3
البغوي • التفسير • ج3 ص22
تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش — دار طيبة للنشر والتوزيع
ومحمد بن جرير: لا يجب غسل المرفقين والكعبين في غسل اليد والرجل لأن حرف "إلى" للغاية والحد، فلا يدخل في المحدود.
قلنا: ليس هذا بحد ولكنه بمعنى مع كما ذكرنا، وقيل: الشيء إذا حد إلى جنسه يدخل فيه الغاية، وإذا حد إلى غير جنسه لا يدخل، كقوله تعالى: "ثم أتموا الصيام إلى الليل" (سورة البقرة، 187) ، لم يدخل الليل فيه لأنه ليس من جنس النهار.
قوله تعالى: {وامسحوا برءوسكم} اختلف العلماء في قدر الواجب من مسح الرأس، فقال مالك: يجب مسح جميع الرأس كما يجب مسح جميع الوجه في التيمم، وقال أبو حنيفة: يجب مسح ربع الرأس، وعند الشافعي رحمه الله: يجب قدر ما يطلق عليه اسم المسح.
واحتج من أجاز مسح بعض الرأس بما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا يحيى بن حسان عن حماد بن زيد وابن علية عن أيوب السختياني عن ابن سيرين عن عمرو بن وهب الثقفي عن المغيرة بن شعبة "أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته وعلى عمامته وخفيه"، (1) فأجاز بعض أهل العلم المسح على العمامة بهذا الحديث، وبه قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق.
ولم يجوز أكثر أهل العلم المسح على العمامة بدلا من المسح على الرأس، وقالوا: في حديث المغيرة إن فرض المسح سقط عنه بمسح الناصية، وفيه دليل على أن مسح جميع الرأس غير واجب.
قوله عز وجل: {وأرجلكم إلى الكعبين} ، قرأ نافع وابن عامر والكسائي ويعقوب وحفص "وأرجلكم" بنصب اللام، وقرأ الآخرون "وأرجلكم" بالخفض، فمن قرأ "وأرجلكم" بالنصب فيكون عطفا على قوله: "فاغسلوا وجوهكم وأيديكم" أي: واغسلوا أرجلكم، ومن قرأ بالخفض فقد ذهب قليل من أهل العلم إلى أنه يمسح على رجلين، وروي عن ابن عباس أنه قال: الوضوء غسلتان ومسحتان، ويروى ذلك عن عكرمة وقتادة، وقال الشعبي: نزل جبريل بالمسح وقال: ألا ترى المتيمم يمسح ما كان غسلا ويلغي ما كان مسحا؟
وقال محمد بن جرير الطبري يتخير المتوضئ بين المسح على الخفين وبين غسل الرجلين.
وذهب عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين وغيرهم إلى وجوب غسل الرجلين، وقالوا:
