معالم التنزيل (تفسير البغوي) — ج 4
البغوي • التفسير • ج4 ص150
تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش — دار طيبة للنشر والتوزيع
اليهود الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في تصديقه وأنه نبي، {حتى جاءهم العلم} يعني: القرآن والبيان بأنه رسول [الله] (1) صدق، ودينه حق.
وقيل: حتى جاءهم معلومهم، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، لأنهم كانوا يعلمونه قبل خروجه، فالعلم بمعنى المعلوم كما يقال للمخلوق: خلق، قال الله تعالى: " هذا خلق الله " (لقمان -11) ، ويقال: هذا الدرهم ضرب الأمير، أي: مضروبه.
{إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} من الدين.
{فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (94) ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين (95) } .
قوله تعالى: {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك} يعني: القرآن {فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك} فيخبرونك أنه مكتوب عندهم في التوراة.
قيل: هذا خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره على عادة العرب، فإنهم يخاطبون الرجل ويريدون به غيره، كقوله تعالى: " يا أيها النبي اتق الله " 172/أ (الأحزاب -1) ، خاطب النبي صلى الله عليه وسلم والمراد به المؤمنون، بدليل أنه قال: " إن الله كان بما تعملون خبيرا " ولم يقل: "بما تعمل" وقال: " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء " (الطلاق -1) .
وقيل: كان الناس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بين مصدق ومكذب وشاك، فهذا الخطاب مع أهل الشك، معناه: إن كنت أيها الإنسان في شك مما أنزلنا إليك من الهدى على لسان رسولنا محمد، فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك.
قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: يعني من آمن من أهل الكتاب؛ كعبد الله بن سلام وأصحابه، فيشهدون على صدق محمد صلى الله عليه وسلم ويخبرونك بنبوته.
قال الفراء: علم الله سبحانه وتعالى أن رسوله غير شاك، لكنه ذكره على عادة العرب، يقول الواحد منهم لعبده: إن كنت عبدي فأطعني، ويقول لولده: افعل كذا وكذا إن كنت ابني، ولا يكون بذلك على وجه الشك.
{لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين} من الشاكين.
{ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين} وهذا كله خطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد منه غيره.
