معالم التنزيل (تفسير البغوي) — ج 6
البغوي • التفسير • ج6 ص94
تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش — دار طيبة للنشر والتوزيع
{والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما (64) والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما (65) إنها ساءت مستقرا ومقاما (66) والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما (67) }
قوله تعالى: {والذين يبيتون لربهم} يقال لمن أدرك الليل: بات، نام أو لم ينم، يقال: بات فلان قلقا، والمعنى: يبيتون لربهم بالليل في الصلاة، {سجدا} على وجوههم، {وقياما} على أقدامهم. قال ابن عباس: من صلى بعد العشاء الآخرة ركعتين أو أكثر فقد بات لله ساجدا وقائما (1) . أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا أبو نعيم عن سفيان، عن عثمان بن حكيم، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله" (2) قوله عز وجل: {والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما} أي: ملحا دائما، لازما غير مفارق من عذب به من الكفار، ومنه سمي الغريم لطلبه حقه وإلحاحه على صاحبه وملازمته إياه. قال محمد بن كعب القرظي: سأل الله الكفار ثمن نعمه فلم يؤدوا فأغرمهم فيه، فبقوا في النار. قال الحسن: كل غريم يفارق غريمه إلا جهنم. و"الغرام": الشر اللازم، وقيل: "غراما" هلاكا. {إنها ساءت مستقرا ومقاما} أي: بئس موضع قرار وإقامة. {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا} قرأ ابن كثير وأهل البصرة "يقتروا" بفتح الياء وكسر التاء، وقرأ أهل المدينة وابن عامر بضم الياء وكسر التاء، وقرأ الآخرون بفتح الياء وضم التاء، وكلها بلغات صحيحة. يقال: أقتر وقتر بالتشديد، وقتر يقتر. واختلفوا في معنى الإسراف والإقتار، فقال بعضهم: "الإسراف": النفقة في معصية الله وإن قلت، و"الإقتار": منع حق الله تعالى. وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن جريج. وقال الحسن في هذه الآية لم ينفقوا في معاصي الله ولم يمسكوا عن فرائض الله (3) .
