البداية والنهاية — ج 2
الحافظ ابن كثير • التاريخ والتراجم • ج2 ص398
تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
" الصحاح " و " المسانيد " و " السنن " وغيرها، من طرق عن جماعة من الصحابة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا نورث، ما تركنا فهو صدقة» فهذا نص على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يورث، ولهذا منع الصديق أن يصرف ما كان يختص به في حياته إلى أحد من وراثه الذين لولا هذا النص لصرف إليهم، وهم: ابنته فاطمة، وأزواجه التسع، وعمه العباس، رضي الله عنهم، واحتج عليهم الصديق في منعه إياهم بهذا الحديث، وقد وافقه على روايته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، وعبد الرحمن بن عوف وطلحة، والزبير، وأبو هريرة، وآخرون، رضي الله عنهم. الثاني أن الترمذي رواه بلفظ يعم سائر الأنبياء: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث» وصححه. الثالث أن الدنيا كانت أحقر عند الأنبياء من أن يكنزوا لها أو يلتفتوا إليها أو يهمهم أمرها، حتى يسألوا الأولاد ليحوزوها بعدهم ; فإن من لا يصل إلى قريب من منازلهم في الزهادة لا يهتم بهذا المقدار أن يسأل ولدا يكون وارثا له فيها. الرابع، أن زكريا، عليه السلام، كان نجارا يعمل بيده، ويأكل من كسبها، كما كان داود، عليه السلام، يأكل من كسب يده، والغالب - ولا سيما من مثل حال الأنبياء - أنه لا يجهد نفسه في العمل إجهادا يستفضل منه مالا يكون ذخيرة له يخلفه من بعده، وهذا أمر بين واضح لكل من تأمله بتدبر وتفهم، إن شاء الله.
#
