البداية والنهاية — ج 2
الحافظ ابن كثير • التاريخ والتراجم • ج2 ص487
تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الفصحاء البلغاء، فأنزل الله عليه القرآن العظيم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، فلفظه معجز تحدى به الإنس والجن أن يأتوا بمثله أو بعشر سور من مثله، أو بسورة، وقطع عليهم بأنهم لا يقدرون، لا في الحال ولا في الاستقبال، فإن لم يفعلوا ولن يفعلوا، وما ذاك إلا لأنه كلام الخالق، عز وجل، والله تعالى لا يشبهه شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.
والمقصود أن عيسى، عليه السلام، لما أقام عليهم الحجج والبراهين، استمر أكثرهم على كفرهم وضلالهم وعنادهم وطغيانهم، فانتدب له من بينهم طائفة صالحة، فكانوا له أنصارا وأعوانا، قاموا بمتابعته ونصرته ومناصحته، وذلك حين هم به بنو إسرائيل، ووشوا به إلى بعض ملوك ذلك الزمان، فعزموا على قتله وصلبه، فأنقذه الله منهم، ورفعه إليه من بين أظهرهم، وألقى شبهه على أحد أصحابه، فأخذوه فقتلوه وصلبوه، وهم يعتقدونه عيسى، وهم في ذلك غالطون، وللحق مكابرون، وسلم لهم كثير من النصارى ما ادعوه، وكلا الفريقين في ذلك مخطئون، كما قال تعالى: {ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين} [آل عمران: 54] وقال تعالى: {وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون} [الصف: 6]
[الصف: 6 - 9] .
#
