البداية والنهاية — ج 8
الحافظ ابن كثير • التاريخ والتراجم • ج8 ص76
تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
والناس في المسجد يبكون، ويموجون لا يسمعون، فخرج عباس بن عبد المطلب على الناس، فقال: يا أيها الناس، هل عند أحد منكم من عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم، في وفاته فليحدثنا؟ قالوا: لا. قال: هل عندك يا عمر من علم؟ قال: لا. فقال العباس: أشهد أيها الناس، أن أحدا لا يشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعهد عهده إليه في وفاته، والله الذي لا إله إلا هو لقد ذاق رسول الله صلى الله عليه وسلم الموت. قال: وأقبل أبو بكر، رضي الله عنه، من السنح على دابته حتى نزل بباب المسجد، وأقبل مكروبا حزينا، فاستأذن في بيت ابنته عائشة، فأذنت له فدخل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد توفي على الفراش والنسوة حوله، فخمرن وجوههن، واستترن من أبي بكر إلا ما كان من عائشة، فكشف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحنى عليه يقبله، ويبكي ويقول: ليس ما يقوله ابن الخطاب شيئا، توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده، رحمة الله عليك يا رسول الله، ما أطيبك حيا وميتا. ثم غشاه بالثوب، ثم خرج سريعا إلى المسجد يتخطى رقاب الناس، حتى أتى المنبر، وجلس عمر حين رأى أبا بكر مقبلا إليه، وقام أبو بكر إلى جانب المنبر، ونادى الناس فجلسوا وأنصتوا، فتشهد أبو بكر بما علمه من التشهد، وقال: إن الله، عز وجل، نعى نبيه إلى نفسه وهو حي بين أظهركم، ونعاكم إلى أنفسكم، وهو الموت حتى لا يبقى أحد إلا الله، عز وجل، قال تعالى {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} [آل عمران: 144] الآية. فقال عمر هذه الآية في القرآن؟ ! والله ما علمت أن هذه الآية أنزلت قبل اليوم.
#
