البداية والنهاية — ج 10
الحافظ ابن كثير • التاريخ والتراجم • ج10 ص241
تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
فخرجت العامة إلى الطحان فقتلوه، وخرج أسقف فأخذ جسده من النهر وجعله في تابوت وحمله إلى إصطخر فوضعه في ناووس.
ويروى أنه مكث في منزل ذلك الطحان ثلاثة أيام لا يأكل حتى رق له وقال له: ويحك يا مسكين ألا تأكل؟ وأتاه بطعام فقال: إني لا أستطيع أن آكل إلا بزمزمة. فقال له: كل وأنا أزمزم لك. فسأل أن يأتيه بمزمزم، فلما ذهب يطلب له من بعض الأساورة شموا رائحة المسك من ذلك الرجل، فأنكروا رائحة المسك منه، فسألوه، فأخبرهم، فقال: إن عندي رجلا من صفته كيت وكيت. فعرفوه وقصدوه مع الطحان، وتقدم الطحان، فدخل عليه، وهم بالقبض عليه، فعرف يزدجرد ذلك فقال له: ويحك خذ خاتمي وسواري ومنطقتي ودعني أذهب من هاهنا. فقال: لا، أعطني أربعة دراهم وأنا أطلقك. فزاده إحدى قرطيه من أذنيه، فلم يقبل حتى يعطيه أربعة دراهم، فهم في ذلك إذ دهمهم الجند، فلما أحاطوا به وأرادوا قتله قال: ويحكم لا تقتلوني فإنا نجد في كتبنا أن من اجترأ على قتل الملوك عاقبه الله بالحريق في الدنيا مع ما هو قادم عليه، فلا تقتلوني واذهبوا بي إلى الملك أو إلى العرب فإنهم يستحيون من قتل الملوك. فأبوا عليه ذلك فسلبوه ما كان عليه من الحلي، فجعلوه في جراب وخنقوه بوتر وألقوه في النهر، فتعلق بعود فأخذه أسقف - واسمه إيليا - فحن عليه؛ لما كان من أسلافه من الإحسان إلى النصارى الذين كانوا ببلادهم، فوضعه في تابوت ودفنه
#
