البداية والنهاية — ج 11
الحافظ ابن كثير • التاريخ والتراجم • ج11 ص112
تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
ألا من اشتاق إلى الآخرة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن الحرمات، ومن طلب الجنة سارع إلى الطاعات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات، ألا إن لله عبادا كمن رأى أهل الجنة في الجنة مخلدين، وأهل النار في النار معذبين، شرورهم مأمونة، وقلوبهم محزونة، وأنفسهم عفيفة، وحوائجهم خفيفة، صبروا أياما قليلة لعقبى راحة طويلة، أما الليل فصافون أقدامهم، تجري دموعهم على خدودهم، يجأرون إلى ربهم: ربنا ربنا. يطلبون فكاك رقابهم، وأما النهار فعلماء حلماء، بررة أتقياء، كأنهم القداح، ينظر إليهم الناظر فيقول: مرضى. وما بالقوم من مرض، و: خولطوا. ولقد خالط القوم أمر عظيم.
وعن الأصبغ بن نباتة قال: صعد علي ذات يوم المنبر، فحمد الله وأثنى عليه وذكر الموت، فقال: عباد الله، الموت ليس منه فوت، إن أقمتم له أخذكم، وإن فررتم منه أدرككم، فالنجاء النجاء، والوحاء الوحاء، وراءكم طالب حثيث ; القبر، فاحذروا ضغطته وظلمته ووحشته، ألا وإن القبر حفرة من حفر النار، أو روضة من رياض الجنة، ألا وإنه يتكلم في كل يوم ثلاث مرات فيقول: أنا بيت الظلمة، أنا بيت الدود، أنا بيت الوحشة. ألا وإن وراء ذلك يوما يشيب فيه الصغير، ويسكر فيه الكبير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد، ألا وإن وراء ذلك ما هو أشد منه ; نار حرها شديد، وقعرها بعيد، وحليها حديد، وماؤها صديد،
#
