البداية والنهاية — ج 12
الحافظ ابن كثير • التاريخ والتراجم • ج12 ص171
تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الصلاة بالليل، وكان يسرج المصباح، وكان يضع إصبعه فيه، ثم يقول لنفسه: إذا لم تصبر على المصباح، فكيف تصبر على نار جهنم؟ وقيل له: بأي شيء سودك قومك؟ قال: لو عاب الماء الناس ما شربته. وكان الأحنف لا يحسد، ولا يجهل، ولا يدفع الحق، وقال: إن من السؤدد الصبر على الذل، وكفى بالحلم ناصرا. وقال: ما نازعني أحد إلا أخذت من أمري إحدى ثلاث: إن كان فوقي عرفت قدره، وإن كان دوني رفعت نفسي عنه، وإن كان مثلي تفضلت. وقال: ما ذكرت أحدا بسوء بعد أن يقوم من عندي، ولا سمعت كلمة تسوءني إلا طأطأت رأسي ; لما هو أعظم منها. وأغلظ له رجل في الكلام، فلما وصل إلى نادي قومه وقف، وقال: إن كان عندك شيء آخر فقل ; لئلا يسمعك قومي فيؤذوك.
وقيل: إن عبد الملك بن مروان كتب إليه يدعوه لنفسه، ويعده بولاية الشام، فقال: يدعوني ابن الزرقاء إلى ولاية الشام، والله وددت أن بيني وبينهم جبلا من نار. وكان زياد بن أبيه يقول: قد بلغ الأحنف من السؤدد والشرف ما لا ينفعه معه ولاية، ولا يضره عزل، وإنه ليفر من الشرف وهو يتبعه.
وقال الحاكم: وهو الذي افتتح مرو الروذ، وكان الحسن وابن سيرين في
#
