البداية والنهاية — ج 17
الحافظ ابن كثير • التاريخ والتراجم • ج17 ص151
تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
أهل الحل والعقد وكان يوما مشهودا، وكان عمره يومئذ خمسا وثلاثين سنة وخمسة أشهر وأحد عشر يوما، وكان من أحسن الناس شكلا وأبهاهم منظرا، وهو كما قال القائل:
كأن الثريا علقت في جبينه ... وفي خده الشعرى وفي وجهه القمر
وفي نسبه الشريف خمسة عشر خليفة، منهم خمسة من آبائه، ولوا نسقا وتلقى هو الخلافة عنهم وراثة كابرا عن كابر، وهذا شيء لم يتفق لأحد من الخلفاء قبله، وسار في الناس كسيرة أبيه الظاهر في الجود وحسن السيرة والإحسان إلى الرعية. وبنى المدرسة الكبيرة المستنصرية التي لم تبن مدرسة في الدنيا مثلها، وسيأتي بيان ذلك في موضعه، إن شاء الله تعالى، واستمر أرباب الولايات الذين كانوا في عهد أبيه على ما كانوا عليه، ولما كان يوم الجمعة المقبلة خطب للإمام المستنصر بالله على المنابر، ونثر الذهب والفضة عند ذكر اسمه، وكان يوما مشهودا، وأنشد الشعراء المدائح والمراثي، وأطلقت لهم الخلع والجوائز.
وقدم رسول من صاحب الموصل يوم غرة شعبان مع الوزير ضياء الدين أبي الفتح نصر الله بن الأثير، فيها التهنئة والتعزية بعبارة فصيحة بليغة.
ثم إن المستنصر بالله كان يواظب على حضور الجمعة راكبا ظاهرا للناس، وإنما معه خادمان، وركب دار، وخرج مرة وهو راكب، فسمع ضجة عظيمة، فقال: ما هذا؟ فقيل له: التأذين. فترجل عن فرسه، وسعى ماشيا، ثم
#
