بداية المجتهد ونهاية المقتصد
ابن رشد الحفيد • الفقه • ج1 ص203
دار الحديث - القاهرة
وأما من رجح حديث ذي اليدين فقال: السجود بعد السلام، واحتجوا لترجيح هذا الحديث بأن حديث ابن بحينة قد عارض حديث المغيرة بن شعبة: «أنه - عليه الصلاة والسلام - قام من اثنتين ولم يجلس، ثم سجد بعد السلام» . قال أبو عمر: ليس مثله في النقل فيعارض به. واحتجوا أيضا لذلك بحديث ابن مسعود الثابت: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى خمسا ساهيا وسجد لسهوه بعد السلام» .
وأما من ذهب مذهب الجمع فإنهم قالوا: إن هذه الأحاديث لا تتناقض، وذلك أن السجود فيها بعد السلام إنما هو في الزيادة، والسجود قبل السلام في النقصان، فوجب أن يكون حكم السجود في سائر المواضع كما هو في هذا الموضع، قالوا: وهو أولى من حمل الأحاديث على التعارض.
وأما من ذهب مذهب الجمع والترجيح فقال: يسجد في المواضع التي سجد فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على النحو الذي سجد فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن ذلك هو حكم تلك المواضع، وأما المواضع التي لم يسجد فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فالحكم فيها: السجود قبل السلام. فكأنه قاس على المواضع التي سجد فيها - عليه الصلاة والسلام - قبل السلام، ولم يقس على المواضع التي سجد فيها بعد السلام، وأبقى سجود المواضع التي سجد فيها على ما سجد فيها، فمن جهة أنه أبقى حكم هذه المواضع على ما وردت عليه، وجعلها متغايرة الأحكام هو ضرب من الجمع ورفع للتعارض بين مفهومها، ومن جهة أنه عدى مفهوم بعضها دون البعض، وألحق به المسكوت عنه فذلك ضرب من الترجيح - أعني: أنه قاس على السجود الذي قبل السلام، ولم يقس على الذي بعده -. وأما من لم يفهم من هذه الأفعال حكما خارجا عنها، وقصر حكمها على أنفسها وهم أهل الظاهر فاقتصروا بالسجود على هذه المواضع فقط.
وأما أحمد بن حنبل، فجاء نظره مختلطا من نظر أهل الظاهر ونظر أهل القياس، وذلك أنه اقتصر بالسجود كما قلنا بعد السلام على المواضع التي ورد فيها الأثر ولم يعده، وعدى السجود الذي ورد في المواضع التي قبل السلام.
ولكل واحد من هؤلاء أدلة يرجح بها مذهبه من جهة القياس - أعني: لأصحاب القياس -. وليس قصدنا في هذا الكتاب في الأكثر ذكر الخلاف الذي يوجبه القياس، كما ليس
#
