كتاب الإيمان
شيخ الإسلام ابن تيمية • العقيدة والتوحيد • ج1 ص346
تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني — المكتب الإسلامي، عمان، الأردن
ومقته، جزاء لعملهم وأنه يحبهم إذا التقوا وقاتلوا؛ ولهذا رغبهم في العمل بذلك، كما يرغبهم بسائر ما يعدهم به، وجزاء العمل بعد العمل، وكذلك قوله: {إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون} فإنه سبحانه يمقتهم إذ يدعون إلى الإيمان فيكفرون، ومثل هذا قوله: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا} [الفتح: 18] ، فقوله: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك} ، بين أنه رضي عنهم هذا الوقت، فإن حرف [إذ] ظرف لما مضى من الزمان، فعلم أنه ذاك الوقت رضي عنهم بسبب ذلك العمل، وأثابهم عليه، والمسبب لا يكون قبل سببه، والموقت بوقت لا يكون قبل وقته، وإذا كان راضيا عنهم من جهة، فهذا الرضى الخاص الحاصل بالبيعة لم يكن إلا حينئذ، كما ثبت في الصحيح أنه يقول لأهل الجنة: " يا أهل الجنة، هل رضيتم؟ فيقولون: يا ربنا وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم ما هو أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا ربنا وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدا "، وهذا يدل على أنه في ذلك الوقت حصل لهم هذا الرضوان، الذي لا يتعقبه سخط أبدا، ودل على أن غيره من الرضوان قد يتعقبه سخط.
وفي الصحيحين في حديث الشفاعة يقول كل من الرسل: " إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله "، وفي الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه أنه قال: " لله أشد فرحا بتوبة عبده، من رجل أضل راحلته بأرض دوية مهلكة، عليها طعامه وشرابه، فطلبها فلم يجدها، فاضطجع ينتظر الموت فلما استيقظ، إذا دابته عليها طعامه وشرابه " وفي رواية " كيف تجدون فرحه بها؟ " قالوا: عظيما يا رسول الله، قال: " لله أشد فرحا بتوبة عبده من هذا براحلته "، وكذلك ضحكه إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنة، وضحكه إلى الذي يدخل الجنة آخر الناس، ويقول: أتسخر بي وأنت رب العالمين، فيقول: " لا، ولكني على ما أشاء قادر "، وكل هذا في الصحيح.
#