إرشاد الفحول
الشوكاني • أصول الفقه • ج1 ص271
تحقيق: الشيخ أحمد عزو عناية، دمشق - كفر بطنا — دار الكتاب العربي
الفصل الثامن: هل يجب القضاء بأمر جديد أم بالأمر الأول
اختلفوا هل القضاء بأمر جديد أو بالأمر الأول؟ هذه المسألة لها صورتان:
الصورة الأولى:
الأمر المقيد، كما إذا قال افعل في هذا الوقت، فلم يفعل حتى مضى، فالأمر الأول هل يقتضي إيقاع ذلك الفعل فيما بعد ذلك الوقت، فقيل لا يقتضي لوجهين:
الأول: أن قول القائل لغيره "افعل" هذا الفعل يوم الجمعة لا يتناول الأمر "بفعله بعده"* وإذا لم يتناوله لم يدل عليه بنفي ولا إثبات.
الثاني: أن أوامر الشرع تارة لا تستلزم وجوب القضاء كما في صلاة الجمعة وتارة تستلزمه ومع الاحتمال لا يتم الاستدلال، فلا يلزم القضاء إلا بأمر جديد وهو الحق، وإليه ذهب الجمهور، "جماعة من الحنابلة"** والحنفية والمعتزلة إلى أن وجوب القضاء يستلزمه الأمر بالأداء في الزمان المعين؛ لأن الزمان غير داخل في الأمر بالفعل.
ورد: بأنه داخل لكونه من ضروريات الفعل المعين وقته، وإلا لزم أن يجوز التقديم على ذلك الوقت المعين، واللازم باطل فالملزوم مثله.
الصورة الثانية:
الأمر المطلق، وهو أن يقول: افعل، ولا يقيده بزمان معين، فإذا لم يفعل المكلف ذلك في أول أوقات الإمكان فهل يجب فعله فيما بعد، أو يحتاج إلى دليل فمن لم يقل بالفور يقول إن ذلك الأمر المطلق يقتضي الفعل مطلقا فلا يخرج المكلف عن العهدة إلا بفعله، ومن قال بالفور قال إنه يقتضي الفعل بعد أول أوقات الإمكان، وبه قال أبو بكر الرازي.
ومن القائلين بالفور من يقول: إنه لا يقتضيه، بل لا بد في ذلك من دليل زائد.
قال في "المحصول": ومنشأ الخلاف أن قول القائل لغيره: افعل هل معناه افعل في الزمان الثاني، فإن عصيت ففي الثالث، فإن عصيت ففي الرابع ثم كذلك أبدا، أو معناه في الثاني من غير بيان حال الزمان الثالث والرابع، فإن قلنا بالأول اقتضى الأمر الأول الفعل في سائر الأزمان، وإن قلنا بالثاني لم يقتضه.
والحق: أن الأمر المطلق يقتضي الفعل من غير تقييد بزمان، فلا يخرج المكلف عن عهدته إلا بفعله، وهو أداء وإن طال التراخي لأن تعيين بعض أجزاء الوقت له لا دليل عليه، واقتضاؤه