إرشاد الفحول
الشوكاني • أصول الفقه • ج1 ص296
تحقيق: الشيخ أحمد عزو عناية، دمشق - كفر بطنا — دار الكتاب العربي
متناهية، والسؤال عنها على سبيل التفصيل محال.
وأما ثانيا: فإنا نعلم بالضرورة من عادة أهل اللسان أنهم يستقبحون مثل هذه الاستفهامات.
وأما أنه لا يجوز أن تكون هذه الصيغة غير موضوعة للعموم والخصوص، فمتفق عليه، فبطلت هذه الثلاثة ولم يبق إلا القسم الأول.
الفرع الثاني:
في صيغة من وما في المجازاة فإنها للعموم، ويدل عليه أن قول القائل: من دخل داري فأكرمه؛ لو كان مشتركا بين العموم والخصوص لما حسن من المخاطب أن يجري على موجب الأمر إلا عند الاستفهام عن جميع الأقسام، لكنه قد حسن ذلك بدون استفهام فدل على عدم الاشتراك كما سبق في الفرع الذي قبل هذا.
وأيضا لو قال من دخل داري فأكرمه، حسن منه استثناء كل واحد من العقلاء من هذا الكلام، وحسن ذلك معلوم من عادة أهل اللغة ضرورة، والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله فيه، وذلك أنه لا نزاع أن المستثنى من الجنس "لا بد أن"* يصح دخوله تحت المستثنى منه، فإما أن لا يعتبر مع الصحة الوجوب أو يعتبر، والأول باطل، وإلا لم يبق فرق بين الاستثناء من الجمع المنكر كقولك: جاءني فقهاء إلا زيدا، وبين الاستثناء من الجمع المعرف، كقولك: جاءني الفقهاء إلا زيدا، والفرق بينهما معلوم بالضرورة من عادة العرب، فعلمنا أن الاستثناء من الجمع المعرف يقتضي إخراج ما لولاه لوجب دخوله تحت اللفظ وهو المطلوب.
الفرع الثالث:
في أن صيغة كل وجميع يفيدان الاستغراق، ويدل على ذلك أنك إذا قلت: جاءني كل عالم في البلد أو جميع علماء البلد، فإنه يناقضه قولك: ما جاءني كل عالم في البلد، وما جاءني جميع علماء البلد، ولذلك يستعمل كل واحد من هذين الكلامين في تكذيب الآخر، والتناقض لا يتحقق إلا إذا أفاد الكل الاستغراق؛ لأن النفي عن الكل لا يناقض الثبوت في البعض، وأيضا صيغة الكل والجميع مقابلة لصيغة البعض، ولولا أن صيغتهما غير محتملة للبعض، لم تكن مقابلة، وأيضا إذا قال القائل: ضربت كل من في الدار أو ضربت جميع من في الدار سبق إلى الفهم الاستغراق، ولو كانت صيغة الكل أو الجمع مشتركة بين الكل والبعض لما كان كذلك؛ لأن اللفظ المشترك لما كان بالنسبة إلى المفهومين على السوية امتنع أن تكون مبادرة الفهم إلى أحدهما أقوى منها إلى الآخر."وأيضا إذا"** قال السيد لعبده: اضرب كل من دخل داري، أو جميع من دخل داري، فضرب كل واحد ممن دخل لم يكن للسيد أن يعترض عليه بضرب جميعهم، وله أن يعترض عليه إذا ترك البعض منهم، ومثله لو قال رجل لرجل: أعتق كل عبيدي، أو جميع عبيدي ثم مات لم يحصل الامتثال إلا بعتق كل عبد له، ولا يحصل